بقلم: مصطفى محمود
7 يوليو 2026
بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب في السودان، لم يعد السؤال الرئيسي هو متى تتوقف المعارك، بل ما إذا كانت هناك إرادة حقيقية ـ محلية أو دولية ـ لمحاصرة الحرب ومنعها من التحول إلى صراع مفتوح طويل الأمد يعيد تشكيل الدولة والمجتمع لعقود قادمة.
ظاهرياً، تبدو الإجابة نعم. فهناك حراك دبلوماسي متواصل، وضغوط دولية متزايدة، ومبادرات إقليمية متعددة، وتحركات أممية لا تكاد تتوقف. لكن عند النظر إلى النتائج على الأرض، تبدو الصورة أكثر تعقيداً.
من إنهاء الحرب إلى احتواء الحرب
في الأشهر الأولى من النزاع، كان الهدف المعلن للمجتمع الدولي هو وقف القتال والعودة إلى مسار سياسي شامل.
أما اليوم، فقد تغيرت الأولويات بصورة ملحوظة.
أصبحت معظم المبادرات الدولية تركز على منع انهيار السودان بالكامل، أكثر من تركيزها على إنهاء الحرب بشكل فوري. ويتجلى ذلك في تصاعد الدعوات إلى هدنة إنسانية وفتح ممرات آمنة للمساعدات وحماية المدن المهددة بالمجاعة والأوبئة.
وهذا التحول ليس تفصيلاً صغيراً، بل يعكس إدراكاً متزايداً لدى القوى الدولية بأن إنهاء الحرب أصبح أكثر تعقيداً مما كان متوقعاً في بداياتها.
ضغوط دولية متزايدة
خلال عام 2026 برزت تحركات أمريكية وأوروبية وأفريقية وعربية متزامنة للدفع نحو هدنة إنسانية يمكن أن تمهد لاحقاً لوقف إطلاق النار.
كما كثفت اللجنة الرباعية المعنية بالسودان، والتي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات، جهودها لإحياء مقترح هدنة إنسانية تتبعها عملية سياسية جديدة.
وفي الوقت نفسه، واصل الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة الدعوة إلى وقف القتال وإطلاق حوار سوداني شامل، وسط قناعة متزايدة بأن الحسم العسكري الكامل يبدو بعيد المنال.
لماذا لا تنجح هذه الجهود؟
المشكلة الأساسية لا تكمن في غياب المبادرات، بل في غياب التوافق حول شروط إنهاء الحرب.
فكل طرف ما زال يعتقد أنه قادر على تحسين موقعه العسكري أو السياسي قبل الدخول في أي تسوية نهائية.
وفي مثل هذه الظروف تصبح المبادرات الدولية أشبه بمحاولات لإبطاء النزيف أكثر من كونها أدوات قادرة على إنهاء الصراع.
كما أن تعدد المنابر والوسطاء أوجد أحياناً مسارات متوازية ومتداخلة، الأمر الذي جعل بعض المبادرات تتنافس بدلاً من أن تتكامل.
الحرب لم تعد شأناً سودانياً فقط
أحد أهم أسباب استمرار الاهتمام الدولي يتمثل في أن تداعيات الحرب تجاوزت حدود السودان.
فالأزمة الإنسانية تعد من الأكبر عالمياً، كما أن استمرار الصراع يهدد استقرار منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر ويؤثر على ملفات الهجرة والأمن الإقليمي.
ولهذا لم تعد الحرب تُقرأ باعتبارها أزمة داخلية فقط، بل باعتبارها قضية ترتبط بالأمن الإقليمي والدولي.
ومن هنا يمكن فهم تزايد العقوبات والضغوط السياسية والدبلوماسية المفروضة على أطراف النزاع وعلى الجهات المرتبطة به.
هل نحن أمام بداية نهاية الحرب؟
حتى الآن لا توجد مؤشرات حاسمة على اقتراب نهاية وشيكة للصراع.
لكن في المقابل، يمكن ملاحظة أن الضغوط الدولية أصبحت أكثر تنظيماً من السابق، وأن الحديث عن هدنة إنسانية لم يعد مجرد مبادرة معزولة، بل أصبح جزءاً من رؤية أوسع تتبناها أطراف دولية وإقليمية متعددة.
ورغم أن هذه الجهود لم تنجح بعد في فرض تسوية سياسية، فإنها نجحت إلى حد ما في إبقاء الملف السوداني حاضراً على الأجندة الدولية ومنع تحوله إلى حرب منسية بالكامل.
ما الذي تحاول القوى الدولية تحقيقه فعلياً؟
القراءة الواقعية تشير إلى أن المجتمع الدولي يسعى حالياً إلى تحقيق خمسة أهداف رئيسية:
- منع سقوط المدن الكبرى في كوارث إنسانية واسعة.
- تأمين وصول المساعدات الإنسانية.
- احتواء انتشار المجاعة والأوبئة.
- تقليل نطاق العمليات العسكرية.
- تهيئة الأرضية لتفاوض سياسي مستقبلي.
وبعبارة أخرى، فإن الأولوية الحالية أصبحت إدارة الأزمة ومنع انفجارها أكثر من فرض حل نهائي لها.
الخلاصة
نعم، توجد محاولات حقيقية لمحاصرة الحرب في السودان، لكنها تركز حالياً على احتواء تداعياتها الإنسانية والأمنية أكثر من قدرتها على إنهائها بصورة فورية.
فالمجتمع الدولي بات يدرك أن وقف إطلاق النار لا يتحقق بالبيانات وحدها، وأن أي تسوية مستدامة تحتاج إلى توافقات داخلية وإقليمية لم تنضج بالكامل بعد.
ولهذا يبدو أن المعركة الحالية ليست فقط بين أطراف الحرب، بل بين منطق استمرار الصراع ومنطق منع السودان من الانزلاق إلى انهيار شامل.
لقطة …
ربما لم تنجح الجهود الدولية حتى الآن في إيقاف الحرب، لكنها نجحت في منع خروجها بالكامل من دائرة الاهتمام العالمي. وبين هدنة إنسانية مؤجلة وتسوية سياسية لم تكتمل شروطها بعد، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تُحاصر الحرب قبل أن تبتلع ما تبقى من الدولة، أم أن العالم يكتفي بإدارة الأزمة بدلاً من حلها؟
عين ترصد الحدث والعقل يقرأ المشهد.



















