الوعد الذي لا يتحقق أبداً (1)
كيف تبدأ الحروب بوعدٍ لا يتحقق؟
بقلم: عبود النصيح
www.lagtaai.com
“الحروب لا تبدأ عندما يُطلق الرصاص، بل عندما يصدق الناس أن الحرب هي الطريق الأقصر إلى المستقبل.”
في بداية كل حرب تقريباً، تُقدَّم للشعوب الوعود نفسها.
يُقال إن الحرب ستكون قصيرة، وإن النصر قريب، وإن التضحيات مؤقتة، وإن ما بعدها سيكون أفضل مما قبلها.
تُرسم صور المستقبل بلغة مليئة بالأمل والثقة والحسم، ويُطلب من الناس الصبر، ومن الأسر التضحية، ومن المجتمعات احتمال الأعباء، باعتبار أن النهاية تستحق الثمن.
لكن التاريخ يقول شيئاً مختلفاً.
ولعل اللافت أن هذه الظاهرة لا ترتبط بنظام سياسي بعينه، ولا بثقافة محددة، ولا بقارة دون أخرى. فمن أوروبا إلى آسيا، ومن إفريقيا إلى أمريكا اللاتينية، تكاد الحروب تبدأ باللغة نفسها، حتى وإن اختلفت الرايات والأعلام. فقبل أن تتحول الحرب إلى حدث عسكري، تتحول أولاً إلى مشروع أمل جماعي، تُرسم له صورة تبدو أكثر إشراقاً من الواقع الذي يعيشه الناس، فيصبح المستقبل الموعود جزءاً من التعبئة النفسية التي تسبق التعبئة العسكرية.
فبعد انتهاء معظم الحروب، تكتشف الشعوب أن كثيراً من الوعود التي سبقت المعارك لم تتحقق. وأن ما خسرته خلال سنوات القتال كان أكبر بكثير مما تخيلته في البداية. وأن النصر الذي بدا واضحاً في الخطابات كان أكثر تعقيداً على أرض الواقع.
لهذا ربما تكون أكبر كذبة ترافق الحروب ليست في أسبابها فقط، بل في الوعد الذي تقدمه دائماً: أن الحرب ستصنع واقعاً أفضل.
الحرب أولاً
حين تُذكر الحرب، ينصرف الذهن عادة إلى المعارك والجبهات والأسلحة وتحركات الجيوش. لكن الحرب في حقيقتها أكبر من ذلك بكثير.
الحرب ليست مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين، بل حدث يعيد تشكيل المجتمع كله. فهي لا تغير خطوط السيطرة على الخرائط فحسب، بل تعيد رسم حياة الناس اليومية، وتفرض أولويات جديدة، وتبدل شكل الاقتصاد، وتغير علاقة المواطن بالدولة، بل وحتى نظرته إلى المستقبل.
ولهذا فإن علماء الاجتماع ينظرون إلى الحروب بوصفها لحظات تعيد تشكيل البنية الاجتماعية نفسها. فهي تغيّر شكل الأسرة، وأنماط الهجرة، وسوق العمل، والتعليم، وحتى العلاقات بين الأجيال. فالطفل الذي يولد أثناء الحرب لا يعيش التجربة نفسها التي عاشها من سبقه، بل ينشأ داخل عالم جديد تشكلت ملامحه تحت ضغط الصراع، وهو ما يجعل آثار الحرب تمتد إلى ما بعد توقف إطلاق النار بسنوات طويلة.
ولهذا فإن أخطر ما في الحروب ليس ما تفعله في ساحات القتال، بل ما تتركه في حياة المجتمعات بعد سنوات من اندلاعها.
فعندما تبدأ الحرب لا يتغير الميدان وحده، بل يتغير كل شيء حوله. تتراجع التنمية أمام الإنفاق العسكري، وتتراجع السياسة أمام لغة القوة، وتتحول مؤسسات الدولة إلى العمل تحت ضغط الاستثناء والطوارئ، بينما يجد المواطن نفسه منشغلاً بأسئلة البقاء الأساسية بدلاً من الأسئلة التي كانت تشغل حياته قبل الحرب.
ومع ذلك، فإن المجتمعات لا تدخل الحروب عادة وهي تتوقع كل هذه النتائج. بل تدخلها وهي محملة بسلسلة من الوعود الكبيرة التي تجعل كلفة الحرب تبدو مقبولة أو حتى ضرورية.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
كيف تُقدَّم الحرب إلى الناس؟
لا توجد حرب تستطيع أن تستمر اعتماداً على السلاح وحده.
فالسلاح يحتاج إلى رواية، والرواية تحتاج إلى تعبئة، والتعبئة تحتاج إلى خطاب يهيئ المجتمع نفسياً وأخلاقياً لقبول الحرب.
ولهذا فإن الحروب لا تدخل إلى المجتمعات عبر البنادق أولاً، بل عبر خطاب الكراهية الذي يسبق البنادق.
فقبل أن تبدأ المعارك على الأرض، تكون معركة أخرى قد بدأت بالفعل داخل العقول، حيث يجري تقسيم الناس إلى معسكرات متقابلة، وتتراجع المساحات المشتركة، ويصبح الاختلاف تهديداً، والحوار ضعفاً، والتسوية نوعاً من الاستسلام.
وعندما تتآكل مساحات العقل لصالح مساحات الغضب والخوف، تصبح الحرب أقرب إلى الاحتمال منها إلى الاستثناء.
فالحروب لا تبدأ يوم يُطلق الرصاص، بل يوم ينتصر خطاب الكراهية على خطاب العقل.
ولا يعتمد هذا الخطاب على المعلومات وحدها، بل على المشاعر أيضاً. ففي لحظات الخوف الجماعي يصبح الإنسان أكثر استعداداً لتصديق الرواية التي تمنحه شعوراً باليقين، حتى وإن كانت تفتقر إلى الضمانات الواقعية. ولهذا كثيراً ما تنتصر العاطفة على الحسابات، ويصبح الأمل في نهاية سريعة أقوى من قراءة التجارب السابقة.
وربما لهذا أصبحت معركة المعلومات اليوم جزءاً لا ينفصل عن معركة الميدان. فوسائل الإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي، وحملات التأثير الرقمي، أصبحت تشارك في صناعة صورة الحرب قبل أن تشارك البنادق في صناعتها. ولم تعد السيطرة على الأرض وحدها هي معيار القوة، بل أصبحت السيطرة على الرواية أيضاً جزءاً من موازين الصراع الحديثة.
بعد ذلك تُقدَّم الحرب باعتبارها الطريق الأقصر نحو تحقيق أهداف كبرى. ويُقال للناس إن التضحيات الحالية ستقود إلى مكاسب أكبر في المستقبل.
وتتكرر الوعود نفسها تقريباً في معظم الحروب:
- النصر السريع.
- الأمن والاستقرار.
- إنقاذ الدولة.
- إنهاء الفوضى.
- وحدة الوطن.
تختلف الشعارات من بلد إلى آخر، لكن الجوهر يبقى واحداً.
فالحرب لا تُسوَّق بوصفها حرباً، بل بوصفها حلاً.
وهنا تكمن المفارقة الأولى.
لأن الحرب، بحكم طبيعتها، ليست أداة لبناء الاستقرار السريع، وإنما عملية معقدة يصعب التحكم في نتائجها منذ اللحظة الأولى لانطلاقها.
لكن في لحظة التعبئة والحشد، تبدو الوعود أكثر حضوراً من التعقيدات، ويصبح الأمل في الحسم أقوى من الحسابات الواقعية لكلفة الصراع.
الوعد الأول: النصر السريع
ربما لا يوجد وعد يرافق الحروب أكثر من وعد النصر السريع.
نادراً ما تبدأ حرب وهي تعلن أنها ستكون طويلة ومكلفة ومرهقة.
على العكس، تُقدَّم دائماً باعتبارها معركة حاسمة وقصيرة ستنتهي خلال فترة محدودة.
لكن التاريخ يكشف أن الحروب نادراً ما تسير وفق الجداول الزمنية التي توضع لها.
فما إن تبدأ المعارك حتى تظهر عوامل جديدة لم تكن في الحسبان. تتبدل موازين القوى، وتتغير التحالفات، وتتسع ساحات الصراع، وتتحول الحرب من حدث قصير إلى واقع طويل يفرض نفسه على الجميع.
وتشير مراجعات تاريخية لعدد كبير من النزاعات الحديثة إلى أن الحروب كثيراً ما تدخل مرحلة الاستنزاف، وهي المرحلة التي يصبح فيها تحقيق النصر أكثر صعوبة، بينما تستمر الخسائر في التراكم بصورة يومية. وعندها لا تعود المشكلة في القدرة على بدء الحرب، وإنما في القدرة على إنهائها، لأن كل يوم إضافي يخلق وقائع جديدة تجعل العودة إلى نقطة البداية أكثر تعقيداً.
وهنا يبدأ الفارق بين الوعد والواقع.
فكل شهر إضافي من الحرب يعني خسائر اقتصادية جديدة، ومزيداً من الضحايا، ومزيداً من التآكل في مؤسسات الدولة والمجتمع.
وبمرور الوقت، يصبح السؤال ليس متى يتحقق النصر، بل كيف يمكن الخروج من الحرب نفسها.
الوعد الثاني: الأمن والاستقرار
من أكثر المفارقات حضوراً في تاريخ الحروب أنها غالباً ما تُشن باسم الأمن.
يُقال إن الحرب ضرورية لحماية المجتمع واستعادة الاستقرار وإنهاء التهديدات.
لكن السنوات الأولى للحرب تكون عادة الأكثر اضطراباً وخوفاً.
فالناس الذين دخلوا الحرب بحثاً عن الأمان يجدون أنفسهم أمام واقع جديد من القلق وعدم اليقين.
تتعطل الخدمات، وتضطرب الأسواق، وتتراجع قدرة الدولة على القيام بوظائفها الطبيعية، بينما تتحول حياة المواطنين إلى سلسلة من التحديات اليومية.
ولا يعني ذلك أن الأمن لا يمكن أن يتحقق في نهاية المطاف، لكن المشكلة أن الطريق إليه يكون غالباً أطول وأكثر كلفة مما وُعد به الناس في البداية.
يتبع في الجزء الثاني…
هل تستطيع الحرب حقاً أن تنقذ الدولة؟ أم أنها، من حيث لا تدري، تبدأ في استنزافها؟
لقطة …
عين ترصد الحدث والعقل يقرأ المشهد



















