بقلم: مصطفى محمود
www.lagtaai.com
8 يوليو 2026
في أوقات الأزمات الاقتصادية، تبدو العملات الأجنبية وكأنها الدواء السحري القادر على إنقاذ أي عملة وطنية من التراجع. لذلك يتكرر السؤال في السودان منذ سنوات: إذا تم ضخ مليارات الدولارات في السوق، فلماذا لا يستعيد الجنيه السوداني عافيته؟
للإجابة على هذا السؤال، لا بد أولاً من فهم أن أزمة الجنيه السوداني لم تعد أزمة نقص عملات أجنبية فقط، بل أصبحت أزمة اقتصادية مركبة تتداخل فيها الحرب والإنتاج والاستثمار والتجارة والثقة في المؤسسات المالية.
ففي الظروف الطبيعية، يؤدي تدفق العملات الأجنبية إلى زيادة المعروض من الدولار والعملات الصعبة، مما يساهم في استقرار سعر الصرف وتحسين قدرة الدولة على تمويل الواردات. لكن هذه القاعدة لا تعمل دائماً بالطريقة نفسها عندما يكون الاقتصاد نفسه يعاني من اختلالات هيكلية عميقة.
المشكلة ليست في الدولار وحده
يرى عدد من الاقتصاديين أن التركيز على حجم النقد الأجنبي المتاح يغفل جانباً أكثر أهمية، وهو قدرة الاقتصاد على إنتاج قيمة حقيقية.
فالعملات الأجنبية التي تدخل البلاد عبر المساعدات أو التحويلات أو القروض قد توفر متنفساً مؤقتاً، لكنها لا تعالج الأسباب الأساسية التي أدت إلى ضعف العملة الوطنية.
الجنيه السوداني لا يتأثر فقط بحجم الاحتياطي النقدي، بل يتأثر أيضاً بالإنتاج الزراعي والصناعي، وحجم الصادرات، ومستوى الاستقرار السياسي والأمني، وثقة المستثمرين، وكفاءة النظام المصرفي.
وعندما تتراجع هذه العوامل مجتمعة، يصبح تأثير أي ضخ مالي محدوداً مهما بلغ حجمه.
الحرب وتأثيرها المباشر
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، تعرض الاقتصاد السوداني لضغوط غير مسبوقة.
تعطلت قطاعات إنتاجية رئيسية.
تضررت البنية التحتية.
تراجعت حركة الاستثمار.
وتقلص النشاط التجاري في مناطق واسعة من البلاد.
كما أدت الحرب إلى ارتفاع الطلب على العملات الأجنبية من قبل الشركات والأفراد لتأمين السلع الأساسية أو نقل المدخرات إلى أصول أكثر استقراراً.
وفي مثل هذه الظروف، يصبح الطلب على الدولار أكبر من قدرة السوق على توفيره، حتى لو تم ضخ كميات إضافية من النقد الأجنبي.
أزمة الثقة
من العوامل التي كثيراً ما يتم تجاهلها عند الحديث عن سعر الصرف مسألة الثقة.
فالعملة ليست مجرد أوراق نقدية، بل هي انعكاس لثقة المواطنين والمستثمرين في مستقبل الاقتصاد.
وعندما تزداد المخاوف بشأن الاستقرار السياسي أو الاقتصادي، يتجه الأفراد إلى الاحتفاظ بالدولار أو الذهب أو الأصول الأخرى باعتبارها أكثر أماناً.
وهنا تتراجع فعالية أي تدخلات مالية قصيرة الأجل، لأن المشكلة تصبح مرتبطة بالتوقعات المستقبلية أكثر من ارتباطها بحجم السيولة المتاحة.
السوق الموازية والتحدي المستمر
أحد أكبر التحديات التي تواجه الجنيه السوداني يتمثل في اتساع نشاط السوق الموازية للعملات.
فعندما توجد فجوة كبيرة بين السعر الرسمي والسعر المتداول في الأسواق، يتجه المتعاملون إلى القنوات غير الرسمية، مما يضعف قدرة السياسات النقدية على تحقيق أهدافها.
كما أن استمرار المضاربات على العملات الأجنبية يخلق ضغوطاً إضافية على الجنيه، ويجعل استقرار سعر الصرف أكثر صعوبة.
ماذا يحتاج الجنيه السوداني؟
لا يختلف الخبراء على أهمية توفر النقد الأجنبي، لكنهم يؤكدون أن الاستقرار الحقيقي للجنيه يتطلب أكثر من مجرد ضخ الدولارات.
فالحل يرتبط بزيادة الإنتاج والصادرات، واستعادة النشاط الاقتصادي، وتحسين بيئة الاستثمار، وإصلاح القطاع المصرفي، وتعزيز الثقة في المؤسسات الاقتصادية.
كما أن أي تحسن مستدام في قيمة الجنيه يظل مرتبطاً بدرجة كبيرة بتحقيق قدر أكبر من الاستقرار السياسي والأمني، لأن الاقتصاد لا يمكن أن ينمو بصورة طبيعية في ظل بيئة يغلب عليها عدم اليقين.
الخلاصة
قد توفر مليارات الدولارات متنفساً مؤقتاً للجنيه السوداني، وقد تؤدي إلى تهدئة الضغوط لفترة محدودة، لكنها وحدها لا تستطيع معالجة جذور الأزمة.
فالمشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في نقص العملات الأجنبية، بل في التحديات الهيكلية التي يواجهها الاقتصاد السوداني منذ سنوات، والتي تفاقمت بصورة كبيرة بفعل الحرب.
ولهذا فإن استقرار الجنيه لا يبدأ من سوق الصرف وحدها، بل من قدرة الاقتصاد على العودة إلى الإنتاج، واستعادة الثقة، وبناء بيئة تسمح بتحقيق نمو حقيقي ومستدام.
لقطة …
قد يشتري الدولار الوقت، لكنه لا يصنع اقتصاداً. فاستقرار العملات الوطنية لا يُبنى على التدفقات المالية وحدها، بل على قوة الإنتاج والثقة والاستقرار. وبين الأرقام اليومية لسعر الصرف، تبقى الحقيقة الأهم أن مستقبل الجنيه السوداني مرتبط بمستقبل الاقتصاد السوداني نفسه.
عين ترصد الحدث والعقل يقرأ المشهد.



















