نداء أكسفورد للسلام في السودان..
هل بدأ المجتمع السوداني في استعادة صوته بعيداً عن ضجيج الحرب؟
بقلم عبدالقادر العوض
11 يوليو 2026 – بتوقيت السودان
في الوقت الذي تواصل فيه المدافع رسم المشهد السوداني، برز خلال الأيام الماضية صوت مختلف قادم من خارج ساحات القتال. صوت لا يتحدث عن تقدم عسكري أو تراجع ميداني، بل عن رغبة متزايدة في إنهاء الحرب والبحث عن مخرج سياسي للأزمة التي دخلت عامها الرابع.
هذا الصوت تجسد في ما عُرف بـ”نداء أكسفورد للسلام في السودان”، وهو مبادرة أطلقها ناشطون وأكاديميون سودانيون بالتزامن مع نتائج استطلاعات ودراسات قالت إن أكثر من 90% من السودانيين يؤيدون إنهاء الحرب عبر تسوية سياسية تفاوضية.
ورغم أن النداء لا يمثل جهة سياسية أو عسكرية بعينها، إلا أن أهميته لا تكمن في الجهة التي أطلقته، بل في الرسالة التي يحاول إيصالها: أن المجتمع السوداني قد يكون بدأ في التعبير بصورة أكثر وضوحاً عن موقف يختلف عن الخطابات المتصارعة على الأرض.
الحرب تتحدث باسم الجميع
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، ظل الخطاب العام محكوماً إلى حد كبير بروايات الأطراف المتحاربة. كل طرف يتحدث باسم الوطن وباسم الشعب وباسم المستقبل.
لكن وسط هذا الضجيج، تراجع حضور المواطن العادي الذي يدفع الثمن الأكبر للحرب من أمنه ومعيشته ومستقبله.
ومع اتساع النزوح وتدهور الاقتصاد وانهيار الخدمات، بدأ السؤال يظهر بصورة أكثر إلحاحاً: ماذا يريد السودانيون أنفسهم؟
وهنا تكتسب المبادرات المدنية مثل “نداء أكسفورد” أهميتها، لأنها تحاول إعادة هذا السؤال إلى مركز النقاش.
ما الذي يجعل النداء مختلفاً؟
تكمن أهمية النداء في أنه لا يقدم خارطة طريق سياسية مفصلة، ولا ينحاز إلى طرف عسكري أو سياسي محدد، بل ينطلق من فكرة بسيطة لكنها عميقة: أن السلام أصبح مطلباً مجتمعياً واسعاً يتجاوز الانقسامات التقليدية.
كما أنه يربط بين إنهاء الحرب وبين العدالة والمحاسبة، في محاولة لتجنب إعادة إنتاج أزمات الماضي أو الاكتفاء بوقف القتال دون معالجة جذور الصراع.
بين الإرادة الشعبية وحسابات الميدان
رغم أن الرغبة الشعبية في إنهاء الحرب تبدو أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، إلا أن ترجمتها إلى واقع سياسي ما تزال تواجه عقبات كبيرة.
فالأطراف المتحاربة لا تزال تنظر إلى الميدان باعتباره وسيلة لتحسين شروط التفاوض، بينما ترى قطاعات واسعة من المجتمع أن استمرار الحرب لم يعد ينتج سوى مزيد من الخسائر الإنسانية والاقتصادية.
وهنا تبرز المفارقة الأساسية: كلما ارتفع صوت المجتمع المطالب بالسلام، بقيت مراكز القرار أسيرة لحسابات القوة والاصطفافات السياسية والعسكرية.
لماذا يكتسب النداء أهمية الآن؟
يتزامن ظهور النداء مع حراك إقليمي ودولي متجدد حول السودان، يشمل مبادرات أمريكية وأفريقية وإقليمية تسعى لإعادة إطلاق مسار سياسي يوقف الحرب.
وفي مثل هذه اللحظات تصبح معرفة المزاج الشعبي أكثر أهمية، لأن أي اتفاق مستقبلي يحتاج إلى قاعدة اجتماعية تمنحه الشرعية والاستمرارية.
ولهذا يمكن النظر إلى نداء أكسفورد باعتباره محاولة لإعادة المجتمع السوداني إلى قلب النقاش بعد سنوات من هيمنة السلاح على المشهد.
هل يعود الصوت المدني؟
التاريخ السياسي السوداني يشير إلى أن التحولات الكبرى لم تكن حكراً على القوى المسلحة أو النخب السياسية، بل لعبت فيها القوى المدنية والمجتمعية أدواراً مؤثرة في لحظات مفصلية.
واليوم، ومع اتساع المعاناة الإنسانية، يبدو أن هناك محاولة جديدة لاستعادة هذا الدور عبر مبادرات ومنصات تسعى للتعبير عن تطلعات المواطنين بعيداً عن منطق الحرب.
خاتمة
قد لا يكون “نداء أكسفورد للسلام في السودان” قادراً بمفرده على إنهاء الحرب أو تغيير موازين القوى، لكنه يعكس حقيقة سياسية واجتماعية مهمة: أن المجتمع السوداني بدأ يبحث عن مساحة مستقلة للتعبير عن إرادته بعيداً عن خطاب السلاح.
وفي بلد أنهكته الحرب والنزوح والانقسام، ربما تكون أهمية هذا النداء أنه يذكر الجميع بأن السلام ليس مجرد اتفاق بين المتحاربين، بل هو قبل ذلك مطلب شعبي يتطلع إليه ملايين السودانيين الذين يدفعون ثمن الحرب كل يوم.
لقطة … عين ترصد الحدث والعقل يقرأ المشهد






















