محررو لقطة
الأربعاء 15 يوليو 2026 – بتوقيت السودان
يواصل الاقتصاد السوداني مواجهة ضغوط متصاعدة بفعل استمرار الحرب وتداعياتها الواسعة على قطاعات الإنتاج والتجارة والخدمات المصرفية، في وقت يعاني فيه المواطنون من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية واضطراب إمدادات السلع الأساسية.
وتشير المؤشرات الاقتصادية إلى أن التحسن المحدود في بعض المدن والمناطق التي تراجعت فيها العمليات العسكرية لم يتحول حتى الآن إلى تعافٍ اقتصادي شامل، بسبب حجم الدمار الذي أصاب البنية التحتية وتعطل المصانع والأسواق والمؤسسات المالية، إلى جانب استمرار عدم الاستقرار الأمني في أجزاء واسعة من البلاد.
انكماش واسع وإغلاق آلاف المنشآت
وكشف تحليل صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في أبريل 2026 أن الحرب أدت إلى انكماش الاقتصاد السوداني بأكثر من 40%، كما تسببت في إغلاق نحو ثلث الشركات والمنشآت الاقتصادية، ما أدى إلى فقدان أعداد كبيرة من المواطنين مصادر دخلهم وتراجع فرص العمل والإنتاج. (UNDP)
وتعرضت قطاعات الصناعة والزراعة والنقل والتجارة لخسائر كبيرة، بينما اضطرت مؤسسات وشركات إلى نقل أنشطتها من مناطق النزاع أو تقليص عملياتها بسبب انعدام الأمن وارتفاع تكاليف التشغيل وصعوبة الحصول على التمويل والطاقة والمواد الخام.
ويزيد ضعف القطاع الخاص من صعوبة استعادة النشاط الاقتصادي، خاصة أن الكثير من الخدمات الأساسية والوظائف في السودان تعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية
ورغم تراجع معدل التضخم السنوي الرسمي إلى نحو 44.5% في مايو 2026، مقارنة بنحو 45.8% في أبريل، فإن أسعار السلع والخدمات الأساسية واصلت الارتفاع، مدفوعة بتراجع قيمة الجنيه السوداني وارتفاع تكاليف النقل والاستيراد والإنتاج. (Sudan Tribune)
ولا يعني انخفاض معدل التضخم أن الأسعار تراجعت، بل يشير إلى أنها ترتفع بوتيرة أبطأ من السابق، بينما تظل مستوياتها بعيدة عن قدرة غالبية الأسر التي فقدت وظائفها أو تراجعت دخولها بسبب الحرب.
وتواجه الأسر السودانية صعوبات متزايدة في توفير الغذاء والدواء والوقود وتكاليف السكن والمواصلات، وسط تفاوت كبير في الأسعار بين الولايات نتيجة اضطراب الطرق التجارية وارتفاع رسوم النقل وانتشار الجبايات ونقص بعض السلع في مناطق النزاع.
كما هبط الجنيه السوداني إلى مستويات قياسية خلال يونيو، مع تداول الدولار في السوق الموازية عند مستويات تجاوزت أربعة آلاف جنيه، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار السلع المستوردة والمواد الخام والخدمات. (Sudan Tribune)
القطاع المصرفي يحاول استعادة نشاطه
وفي محاولة لإعادة تشغيل المؤسسات المالية، استأنف بنك السودان المركزي نشاطه من مقره في الخرطوم خلال يناير 2026 بعد توقف استمر قرابة ثلاثة أعوام بسبب الحرب والأضرار التي لحقت بالبنية المصرفية. (Sudan Tribune)
لكن عودة المؤسسات المصرفية إلى العاصمة تواجه تحديات كبيرة، أبرزها تضرر الفروع وشبكات الاتصالات، ونقص السيولة، وتراجع الودائع، وتعثر القروض، إلى جانب اعتماد قطاع واسع من المواطنين على التطبيقات المصرفية والتحويلات الإلكترونية في ظل محدودية الخدمات التقليدية.
وبحسب سياسات بنك السودان المركزي لعام 2026، فقد تكبد القطاع المصرفي خسائر تُقدّر بنحو 20 مليار دولار نتيجة نهب الأصول وتدميرها، إضافة إلى تراجع الودائع وارتفاع القروض المتعثرة، ما يوضح حجم الأزمة التي تواجه عملية استعادة الثقة بالنظام المالي. (Sudan Tribune)
الخرطوم تعود ببطء
وتشهد الخرطوم عودة متزايدة للسكان والتجار، إلا أن المدينة لا تزال تفتقر إلى الخدمات الضرورية لاستعادة نشاطها الاقتصادي بصورة طبيعية. وتشير تقارير حديثة إلى عودة أكثر من مليوني شخص من أصل نحو خمسة ملايين نزحوا من العاصمة، بينما لا تزال الكهرباء والمياه والخدمات العامة تعمل بصورة محدودة. (Reuters)
ويواجه أصحاب المتاجر والمشروعات الصغيرة ضغوطاً لإعادة فتح أعمالهم رغم نقص الكهرباء وارتفاع تكاليف الصيانة وإعادة التأهيل، بينما تحتاج الأسواق والمناطق الصناعية إلى استثمارات كبيرة لإزالة مخلفات الحرب واستعادة شبكات النقل والطاقة والاتصالات.
الزراعة تحت ضغط الوقود والأسمدة
ولا تقتصر الأزمة على المدن، إذ يواجه القطاع الزراعي تحديات تهدد الموسم الزراعي، بسبب ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة وتضرر مناطق الإنتاج وصعوبة وصول المزارعين إلى التمويل والمدخلات.
وأدت اضطرابات التجارة الإقليمية وتعطل طرق الإمداد إلى زيادة أسعار الأسمدة والوقود بصورة حادة، ما دفع بعض المزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة أو التخلي عن الزراعة، الأمر الذي ينذر بتراجع إنتاج الذرة والدخن والسمسم وغيرها من المحاصيل الأساسية. (AP News)
كما حذر برنامج الأغذية العالمي من أن نقص الوقود والأسمدة واضطراب الموسم الزراعي قد يؤدي إلى تفاقم أزمة الغذاء، في وقت يواجه فيه ملايين السودانيين مستويات طارئة أو كارثية من الجوع، بينما اضطرت المنظمة إلى خفض عدد المستفيدين من مساعداتها بسبب فجوة تمويلية كبيرة. (Reuters)
عقوبات الذهب تضيف تحدياً جديداً
ويواجه الاقتصاد السوداني كذلك تداعيات القيود الأوروبية الجديدة على تجارة الذهب، بعد إعلان الاتحاد الأوروبي حظر شراء أو استيراد أو نقل الذهب السوداني، ضمن إجراءات تستهدف الحد من استخدام عائداته في تمويل الحرب. (Reuters)
وقد تؤثر هذه الإجراءات على تدفقات النقد الأجنبي، خاصة أن الذهب يمثل أحد أهم صادرات السودان ومصادر العملة الصعبة، فيما يُخشى أن يؤدي تشديد القيود الرسمية إلى توسيع أنشطة التهريب والتجارة غير المنظمة بدلاً من إنهائها.
التعافي مرهون بوقف الحرب
ويتوقع صندوق النقد الدولي نمواً محدوداً للاقتصاد السوداني يبلغ نحو 0.7% خلال 2026، مع بقاء التضخم عند مستويات مرتفعة، وهي توقعات تعكس هشاشة أي تعافٍ في ظل استمرار النزاع وضعف المؤسسات الاقتصادية. (IMF)
ويرى اقتصاديون أن إعادة تشغيل البنوك والأسواق وعودة بعض السكان إلى الخرطوم تمثل خطوات مهمة، لكنها لن تكون كافية دون وقف شامل للحرب، واستعادة الأمن في مناطق الإنتاج، وإصلاح القطاع المصرفي، وتوفير التمويل لإعادة إعمار البنية التحتية.
وفي ظل استمرار القتال واضطراب العملة وارتفاع الأسعار، يبقى المواطن السوداني الطرف الأكثر تحملاً لتكاليف الأزمة، بينما يتطلب إنقاذ الاقتصاد برنامجاً وطنياً واسعاً يوازن بين الإغاثة العاجلة وإعادة الإنتاج والإعمار واستعادة الثقة في مؤسسات الدولة.
لقطة … عين ترصد الحدث والعقل يقرأ المشهد



















