محررو لقطة AI – 9
12 أكتوبر 2026
حذرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، من أن التوسع السريع في استخدام الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى اضطرابات عميقة في أسواق العمل والأنظمة الضريبية والتعليم، رغم دوره المتزايد في دعم النمو الاقتصادي العالمي، في تطور يعكس التناقض بين المكاسب الإنتاجية التي تحققها التكنولوجيا الجديدة والمخاطر الاجتماعية المرتبطة بإعادة تشكيل الوظائف وتوزيع الدخل.
وقالت غورغييفا، الاثنين 12 أكتوبر 2026، خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في العاصمة التايلاندية بانكوك، إن الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي تساعد الاقتصاد العالمي على المحافظة على معدل نمو يقارب 3%، رغم الضغوط الناتجة عن أزمة الطاقة العالمية.
لكنها حذرت في الوقت نفسه من أن التكنولوجيا الجديدة تمثل تحولًا واسعًا قد يؤثر في نحو 40% من الوظائف عالميًا، وترتفع النسبة إلى 60% في الاقتصادات المتقدمة.
وأوضحت أن هذا التأثير لا يعني اختفاء جميع الوظائف المعنية، بل يشمل وظائف قد تتعزز إنتاجيتها باستخدام الذكاء الاصطناعي، وأخرى قد تتراجع قيمتها الاقتصادية أو تتغير طبيعتها، إضافة إلى وظائف قد تختفي بصورة كاملة.
ووصفت غورغييفا التحول بأنه موجة هائلة تتحرك تدريجيًا، لكنها تحمل آثارًا عميقة على الاقتصاد والمجتمع.
وجاءت تصريحاتها في اليوم الأول من الاجتماعات السنوية التي يشارك فيها مسؤولون اقتصاديون من الدول الأعضاء في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وسط توقعات بإصدار تحديث جديد لآفاق الاقتصاد العالمي الثلاثاء 13 أكتوبر.
التكنولوجيا التي تدعم النمو قد تعيد توزيع الثروة
تكمن أهمية التحذير في أن الذكاء الاصطناعي أصبح عاملًا اقتصاديًا مؤثرًا، وليس مجرد قطاع تقني مستقل.
فإنشاء مراكز البيانات وتطوير النماذج المتقدمة وزيادة الطلب على أشباه الموصلات والمعدات الإلكترونية أدى إلى ضخ استثمارات ضخمة في عدد من الاقتصادات.
وتستفيد الولايات المتحدة والصين والهند من مواقعها في سلاسل تطوير التكنولوجيا، بينما تحقق اقتصادات آسيوية أخرى مكاسب من إنتاج المعدات والخدمات المرتبطة بها.
وبحسب تقديرات عرضتها غورغييفا، قد يؤدي الاستثمار في الذكاء الاصطناعي إلى زيادة النمو في الاقتصادات الآسيوية المتقدمة بما يتراوح بين نصف نقطة مئوية ونقطة كاملة، بينما قد تستفيد الاقتصادات الآسيوية الناشئة بزيادة تتراوح بين 0.2 و0.8 نقطة مئوية.
لكن هذه المكاسب لا تتوزع بالتساوي بين الدول.
فالدول التي تمتلك البنية التحتية الرقمية ورأس المال والمهارات المتقدمة تستطيع الاستفادة بصورة أسرع، بينما تواجه الاقتصادات الأقل تطورًا خطر التأخر في تبني التكنولوجيا.
وقد يؤدي هذا التفاوت إلى توسيع الفجوة الاقتصادية بين الدول إذا لم تتوافر سياسات تساعد الاقتصادات النامية على الاستفادة من الأدوات الجديدة.
الوظيفة الأولى للخريجين تحت الضغط
أثار الرئيس السنغافوري ثارمان شانموغاراتنام خلال الاجتماعات مسألة تتعلق بتراجع فرص العمل المتاحة للخريجين الجدد.
فقد حذر من أن بعض الوظائف التي كانت تمثل نقطة الدخول الأولى إلى سوق العمل أصبحت تواجه انخفاضًا في الطلب بسبب استخدام الذكاء الاصطناعي.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن الوظائف الأولى لا توفر الدخل وحده، بل تمنح الشباب الخبرة العملية والمهارات اللازمة للتقدم المهني.
وإذا تقلصت هذه الفرص، فقد يواجه الخريجون صعوبة في بناء مسارات مهنية مستقرة.
لكن التأثير يختلف بين القطاعات والبلدان، ولا توجد أدلة كافية تسمح بالقول إن الذكاء الاصطناعي سيقضي على جميع وظائف المبتدئين.
فقد تظهر وظائف جديدة تتطلب مهارات مختلفة، بينما تتغير طبيعة وظائف قائمة لتجمع بين العمل البشري والأدوات الذكية.
ولهذا فإن التحدي الأساسي يتعلق بسرعة تأهيل العاملين وتطوير التعليم والتدريب المهني.
الضرائب تدخل دائرة التحول
طرحت غورغييفا سؤالًا اقتصاديًا يتعلق بمستقبل الإيرادات الحكومية.
فمعظم الدول تعتمد بدرجات متفاوتة على الضرائب المرتبطة بالعمل والدخل والاستهلاك.
لكن التوسع في استخدام الأنظمة الآلية قد يغير توزيع الدخل بين الأجور والأرباح ورأس المال.
وإذا تراجعت حصة العمل البشري في بعض القطاعات، فقد تواجه الحكومات تحديات في الحفاظ على إيراداتها الضريبية.
ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي بالضرورة إلى انخفاض إجمالي الضرائب، لأن زيادة الإنتاجية والأرباح قد تخلق مصادر إيرادات أخرى.
لكن التحول قد يفرض مراجعة السياسات الضريبية لضمان توزيع الأعباء بصورة عادلة.
وتزداد أهمية هذه القضية بالنسبة إلى الدول التي تحتاج إلى تمويل خدمات التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، خصوصًا في ظل ارتفاع الديون والإنفاق العام.
هل تستطيع أفريقيا الاستفادة من الذكاء الاصطناعي؟
قدم رئيس البنك الدولي، أجاي بانغا، رؤية مختلفة نسبيًا، مؤكدًا أن الاقتصادات النامية لا تحتاج بالضرورة إلى بناء نماذج ذكاء اصطناعي ضخمة للاستفادة من التكنولوجيا.
وأشار إلى إمكان استخدام أدوات أصغر وأقل تكلفة لتحسين الإنتاجية في الزراعة والصحة والتعليم.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة للدول الأفريقية التي تواجه قيودًا في الكهرباء والاتصالات والتمويل.
فقد يكون استخدام أنظمة ذكية لمساعدة المزارعين على تحسين الإنتاج أو دعم تشخيص الأمراض أو تطوير التعليم أكثر ملاءمة من الاستثمار في بنية تحتية ضخمة لا تتناسب مع الموارد المتاحة.
لكن نجاح هذه التطبيقات يحتاج إلى بيانات موثوقة، واتصالات مستقرة، وتدريب العاملين، ووضع ضوابط تحمي الخصوصية وتمنع الاستخدامات الضارة.
السودان أمام فرصة مشروطة
بالنسبة إلى السودان، يطرح التحول العالمي سؤالًا يتعلق بكيفية الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في مرحلة إعادة بناء الاقتصاد والمؤسسات.
فيمكن للأدوات الذكية أن تساعد في تحسين إدارة المعلومات الصحية والتعليمية، وتحليل البيانات الزراعية، وتطوير بعض الخدمات الحكومية.
كما قد تتيح للشركات الصغيرة والمؤسسات الإعلامية وسائل أقل تكلفة لإنجاز أعمال كانت تحتاج سابقًا إلى موارد بشرية وتقنية كبيرة.
لكن هذه الفرص تواجه تحديات تتعلق بانقطاع الكهرباء وضعف الاتصالات ونقص التمويل وتضرر المؤسسات نتيجة الحرب.
كما أن الاستخدام غير المنظم قد يخلق مخاطر تتعلق بدقة المعلومات وحماية البيانات وفرص العمل.
ولهذا فإن إدخال الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يرتبط بخطط واضحة للتدريب والتحقق والرقابة البشرية، لا بمجرد استبدال العاملين بأدوات تقنية.
ما الذي تغيّر وما الذي ينبغي متابعته؟
الجديد في تصريحات صندوق النقد الدولي هو الربط الواضح بين دور الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي في دعم النمو العالمي، وبين احتمال تعرض قطاعات واسعة من سوق العمل لتغيرات عميقة.
كما برز التحذير من اتساع الفجوة بين الاقتصادات المتقدمة والنامية، وتأثير التحول على الوظائف الأولى للخريجين والإيرادات الضريبية.
وسيكون من المهم متابعة تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الجديد، والسياسات التي ستقترحها المؤسسات الدولية لمساعدة الدول على التكيف مع هذه التغيرات.
كما ينبغي رصد تطور الاستثمارات في البنية التحتية الرقمية، والنتائج الفعلية لتبني الذكاء الاصطناعي في القطاعات الإنتاجية والخدمية.
إن تحذيرات صندوق النقد الدولي تكشف أن السؤال لم يعد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير الاقتصاد العالمي، بل كيف ستتوزع مكاسب هذا التغيير وتكاليفه. فالتكنولوجيا التي تساعد على زيادة الإنتاج والنمو قد تؤدي في الوقت نفسه إلى تراجع بعض الوظائف وتوسيع الفجوة بين الدول والأفراد. وستكون الحكومات مطالبة بتطوير التعليم والتدريب والحماية الاجتماعية والسياسات الضريبية حتى لا تتحول المكاسب التقنية إلى مصدر جديد لعدم المساواة. أما الاقتصادات النامية، فإن فرصتها الحقيقية تكمن في استخدام الذكاء الاصطناعي لمعالجة احتياجاتها العملية، دون الدخول في سباق مكلف لا يتناسب مع قدراتها ومواردها.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات