محررو لقطة AI – 13
13 أكتوبر 2026
دخلت أزمة اللاجئين السودانيين في تشاد مرحلة أكثر خطورة، بعدما حذرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من أن نقص التمويل الدولي يهدد استمرار خدمات العلاج المتخصص والمساعدة القانونية المقدمة لأكثر من 50 ألف ناجٍ من العنف الجنسي المرتبط بالنزاع، في تطور يكشف اتساع الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية المتزايدة والموارد المتاحة للاستجابة لها.
وأعلن المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، برهم صالح، الاثنين 12 أكتوبر 2026، أن المفوضية لم تحصل سوى على ثلاثة مليارات دولار من أصل 8.5 مليار دولار تحتاج إليها خلال العام الجاري، بما يعادل 35% من التمويل المطلوب.
وقال صالح، خلال اجتماع اللجنة التنفيذية للمفوضية في جنيف، إن التخفيضات الكبيرة في مساهمات المانحين أجبرت المنظمة على تنفيذ واحدة من أوسع عمليات إعادة الهيكلة في تاريخها، شملت تقليص أعداد العاملين وإعادة ترتيب البرامج الإنسانية.
وأوضح أن عدد موظفي المفوضية انخفض من نحو 20 ألف موظف في عام 2024 إلى أقل من 12 ألفًا، رغم استمرار ارتفاع أعداد النازحين واللاجئين حول العالم.
وحذر من أن التخفيضات وصلت إلى مستوى لم يعد من الممكن التعامل معه من خلال الإجراءات الإدارية وحدها، لأن تقليص الموارد بدأ يؤثر فعليًا في قدرة المفوضية على توفير الحماية والخدمات الأساسية.
وفي مثال مباشر على التداعيات، قال صالح إن نقص التمويل يهدد بتعطيل الرعاية الطبية المتخصصة والمساعدة القانونية المقدمة لأكثر من 50 ألف ناجٍ من العنف الجنسي المرتبط بالحرب، ممن فروا من السودان إلى تشاد.
ويمثل هذا التحذير تطورًا جديدًا في الأزمة الإنسانية السودانية، لأنه ينتقل من الحديث عن نقص الموارد بصورة عامة إلى تحديد خدمات حيوية معرضة للتوقف، وفئة من الناجين تحتاج إلى رعاية مستمرة ومتخصصة.
الحماية لا تنتهي عند عبور الحدود
تكتسب الأزمة أهمية خاصة لأن وصول اللاجئين إلى دولة آمنة نسبيًا لا يعني انتهاء المخاطر التي يواجهونها.
فالنساء والفتيات والرجال الذين تعرضوا للعنف الجنسي خلال النزاع قد يحتاجون إلى علاج طبي طويل الأمد، ورعاية نفسية متخصصة، وخدمات قانونية تساعدهم على توثيق الانتهاكات والحصول على الحماية.
كما يحتاج بعض الناجين إلى متابعة طبية مستمرة بسبب الإصابات الجسدية والمضاعفات الصحية المرتبطة بالاعتداءات.
وتزداد صعوبة توفير هذه الخدمات في المناطق الحدودية التي تستقبل أعدادًا كبيرة من اللاجئين، بينما تعاني أصلًا من محدودية المستشفيات والكوادر الطبية والبنية التحتية.
ولا تقتصر خطورة انقطاع الخدمات على توقف العلاج، بل تمتد إلى احتمال فقدان الناجين وسائل الحماية القانونية والاجتماعية التي تساعدهم على تجاوز آثار الانتهاكات.
وقد يؤدي ذلك إلى زيادة تعرض بعضهم للاستغلال والعنف المتكرر، خصوصًا في المخيمات والمناطق التي تفتقر إلى شبكات دعم اجتماعي فعالة.
تشاد تستقبل اللاجئين والموارد تتراجع
تستضيف تشاد أعدادًا كبيرة من السودانيين الذين فروا من الحرب منذ أبريل 2023، خصوصًا من ولايات دارفور.
وكانت المفوضية قد أعلنت في 25 سبتمبر الماضي وصول أكثر من 55 ألف لاجئ سوداني جديد إلى شرق تشاد خلال عام 2026، ليرتفع عدد الذين عبروا الحدود منذ بداية الحرب إلى نحو مليون شخص.
كما أشارت إلى تسارع حركة النزوح عبر منطقتي أدري والطينة، نتيجة استمرار القتال وانعدام الأمن في دارفور وكردفان.
وتعاني مناطق الاستقبال الحدودية ضغوطًا شديدة على خدمات المياه والصرف الصحي والمأوى والرعاية الصحية.
وبحسب بيانات المفوضية، كان أكثر من 190 ألف لاجئ يعيشون في ظروف صعبة بالمناطق الحدودية، بانتظار نقلهم إلى مواقع إقامة أكثر ملاءمة داخل تشاد.
كما كانت عشرات الآلاف من الأسر تفتقر إلى المأوى المناسب، بينما يحصل كثير من اللاجئين على كميات من المياه تقل عن الحد الأدنى المطلوب للاحتياجات اليومية.
تقليص العاملين يهدد منظومة الحماية
تؤكد المفوضية أنها تحاول حماية عملياتها الميدانية من آثار التخفيضات المالية.
وقال برهم صالح إن نحو 88% من العاملين المتبقين يوجدون خارج المقر الرئيسي، وإن المنظمة احتفظت بنحو 95% من الموظفين العاملين مباشرة في خدمات الحماية الميدانية.
لكن هذه الإجراءات لا تلغي أثر نقص التمويل.
فاستمرار وجود العاملين لا يكفي لتقديم الخدمات إذا لم تتوافر الأدوية والمستلزمات الطبية ووسائل النقل والمرافق المناسبة.
كما أن تقليص الميزانيات قد يؤدي إلى تخفيض عدد المستفيدين أو تقليص ساعات العمل أو تأجيل تقديم بعض الخدمات.
وتبرز أهمية هذه التفاصيل لأن برامج حماية الناجين من العنف الجنسي تعتمد على الاستمرارية والسرية والثقة بين المستفيدين والكوادر المختصة.
وأي انقطاع مفاجئ قد يضعف هذه الثقة ويجعل الوصول إلى الخدمات أكثر صعوبة.
أزمة عالمية بأثر سوداني مباشر
لا تقتصر التخفيضات على تشاد.
فقد أعلنت المفوضية أن نقص التمويل أدى إلى تعليق تسجيل عشرات الآلاف من اللاجئين القادمين من جنوب السودان وإريتريا في إثيوبيا.
ويعني تعطل التسجيل أن بعض اللاجئين قد يواجهون صعوبات في الحصول على الوثائق والخدمات الأساسية والحماية القانونية.
لكن الأزمة السودانية تظل من أكثر الملفات حساسية بسبب حجم النزوح المستمر واتساع الاحتياجات الإنسانية داخل البلاد وخارجها.
وكانت الأمم المتحدة قد قدرت في أبريل الماضي أن نحو 34 مليون شخص داخل السودان يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، بينما تجاوز عدد الفارين إلى دول الجوار 4.5 مليون شخص.
ويعني ذلك أن أي تراجع إضافي في التمويل قد يؤدي إلى تعميق الضغوط على الدول المستضيفة، وزيادة معاناة اللاجئين الذين يعتمدون على المساعدات لتوفير احتياجاتهم الأساسية.
هل يدفع نقص المساعدات اللاجئين إلى رحلات جديدة؟
حذرت المفوضية سابقًا من أن عدم تلبية احتياجات اللاجئين في دول اللجوء الأولى قد يدفع بعضهم إلى مواصلة الهجرة عبر طرق أكثر خطورة.
وأظهرت بياناتها ارتفاع أعداد السودانيين الذين وصلوا بحرًا إلى أوروبا خلال عام 2025 مقارنة بالعام السابق.
ولا يمكن تفسير هذه الزيادة بنقص المساعدات وحده، لأن قرارات الهجرة تتأثر أيضًا بالأمن والعمل ولمّ شمل الأسر والوضع القانوني.
لكن ضعف الخدمات والحماية قد يصبح عاملًا إضافيًا يدفع بعض اللاجئين إلى البحث عن بدائل، حتى عندما تنطوي على مخاطر كبيرة.
ومن هنا فإن تمويل برامج اللاجئين لا يمثل استجابة إنسانية فقط، بل يساهم أيضًا في استقرار المجتمعات المستضيفة وتقليل الضغوط الناتجة عن النزوح المتكرر.
ما الذي تغيّر وما الذي ينبغي متابعته؟
الجديد في إعلان الاثنين هو تحديد حجم العجز المالي للمفوضية بصورة محدثة، والتحذير المباشر من احتمال تعطيل خدمات أساسية يستفيد منها أكثر من 50 ألف ناجٍ من العنف الجنسي المرتبط بالحرب السودانية.
كما أكدت المنظمة أن إعادة الهيكلة لم تعد كافية لتعويض انخفاض التمويل.
وسيكون من الضروري متابعة حجم التمويل الإضافي الذي قد تحصل عليه المفوضية قبل نهاية العام، ومدى استمرار برامج العلاج والحماية في شرق تشاد.
كما ينبغي معرفة ما إذا كانت الدول المانحة ستخصص موارد عاجلة للخدمات المعرضة للتوقف، وما إذا كانت المنظمات الإنسانية ستتمكن من الحفاظ على فرقها الطبية والقانونية.
إن التحذير من تعطل خدمات الحماية والعلاج لعشرات الآلاف من الناجين من العنف الجنسي يكشف أن مأساة الحرب السودانية لا تنتهي عند حدود البلاد. فاللاجئون الذين نجوا من القصف والنزوح والانتهاكات يواجهون اليوم خطر فقدان الخدمات التي تساعدهم على استعادة حياتهم وحقوقهم. ومع استمرار الحرب وتراجع التمويل، تصبح حماية هذه الفئات اختبارًا مباشرًا لالتزام المجتمع الدولي بمسؤولياته الإنسانية. ولن يكون كافيًا الإبقاء على المخيمات مفتوحة إذا فقد سكانها العلاج والمأوى والحماية القانونية التي يحتاجون إليها للبقاء بكرامة وأمان.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات