محررو لقطة
www.lagtaai.com
5 يوليو 2026
أثار تقرير نشرته وسائل إعلام دولية نقلاً عن صحيفة “نيويورك تايمز” جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والدبلوماسية، بعد حديثه عن مخاوف أمريكية من احتمال تخطيط إسرائيل لاستهداف كبار أعضاء الوفد الإيراني المفاوض مع الولايات المتحدة، في وقت كانت فيه واشنطن وطهران منخرطتين في محادثات حساسة تتعلق بوقف التصعيد وترتيبات أمنية وسياسية في المنطقة. (الجزيرة نت)
وبحسب ما نُقل عن مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين، فإن القلق الأمريكي لم يكن نابعاً من حادثة اغتيال مؤكدة وقعت بالفعل، بل من تقديرات استخباراتية ومخاوف سياسية بأن استهداف شخصيات إيرانية منخرطة في التفاوض قد يؤدي إلى نسف المسار الدبلوماسي وإعادة المنطقة إلى مربع المواجهة المفتوحة. (New York Post)
من هم أبرز الأسماء التي وردت في التقارير؟
أشارت التقارير إلى أن المخاوف الأمريكية تمحورت حول شخصيات إيرانية بارزة، من بينها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، باعتبارهما من الأسماء المؤثرة في المسار التفاوضي مع واشنطن. (New York Post)
وتكمن حساسية هذه الأسماء في أنها لا تمثل مجرد وفد تقني عابر، بل شخصيات سياسية رفيعة قادرة على نقل رسائل النظام الإيراني، والمساهمة في صياغة تفاهمات تتعلق بملفات شديدة التعقيد، مثل البرنامج النووي، وأمن الخليج، ومضيق هرمز، وترتيبات التهدئة الإقليمية.
هل وقعت محاولة اغتيال فعلاً؟
حتى الآن، لا توجد معلومات موثقة تؤكد وقوع محاولة اغتيال فعلية ضد الوفد الإيراني المفاوض. وما هو متاح في المجال العام يشير إلى مخاوف أمريكية من احتمال وجود نوايا أو خطط لاستهداف بعض كبار المفاوضين، وليس إلى عملية منفذة أو معلنة رسمياً.
وهذا التمييز مهم مهنياً، لأن الحديث عن “مخطط محتمل” يختلف عن الحديث عن “محاولة اغتيال مؤكدة”. فالأول يدخل في إطار التقديرات الاستخباراتية والتحذيرات السياسية، بينما الثاني يحتاج إلى أدلة ميدانية وبيانات رسمية وتحقيقات موثقة.
لماذا يقلق اغتيال المفاوضين واشنطن؟
تخشى الولايات المتحدة، وفق ما تعكسه التقارير، من أن يؤدي أي استهداف لشخصيات إيرانية تفاوضية إلى انهيار كامل للمحادثات. ففي النزاعات المعقدة، لا يكون المفاوض مجرد ناقل رسائل، بل يمثل قناة سياسية وأمنية تتيح إبقاء الصراع تحت السيطرة.
واستهداف هذا النوع من الشخصيات قد يرسل رسالة مزدوجة: الأولى إلى طهران بأن التفاوض لا يوفر الحماية، والثانية إلى الأطراف الإقليمية بأن المسار الدبلوماسي قابل للإفشال بعمل أمني واحد.
ولهذا السبب، يبدو أن واشنطن تعاملت مع المسألة باعتبارها تهديداً للمفاوضات نفسها، وليس فقط تهديداً لأشخاص بعينهم.
النفي الإسرائيلي
في المقابل، نفت إسرائيل التقارير التي تحدثت عن التخطيط لاستهداف المفاوضين الإيرانيين، ووصفتها بأنها “أخبار كاذبة” و”تلفيق كامل للواقع”، وفق ما نقلته وسائل إعلام دولية عن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي. (The Times of India)
ويعكس هذا النفي حساسية الاتهام، لأن استهداف وفد تفاوضي أثناء محادثات سياسية لا يُعد مجرد عملية أمنية، بل خطوة قد تحمل تبعات دبلوماسية واسعة، خصوصاً إذا جرت في ظل وساطات إقليمية ودولية.
المفاوضات وسط حقل ألغام
جاءت هذه التقارير بينما كانت الولايات المتحدة وإيران تعقدان اجتماعات غير مباشرة في قطر، بمشاركة وسطاء إقليميين، في محاولة لمواصلة النقاش حول ملفات الأمن الإقليمي وخفض التصعيد. وأكدت تقارير أن الجانبين اتفقا على مواصلة المحادثات رغم استمرار الخلافات حول قضايا حساسة. (AP News)
كما شهدت محادثات لاحقة في سويسرا تقدماً في بعض الملفات، بينها ما يتعلق بعودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وفق تصريحات أمريكية نقلتها وسائل إعلام دولية. (Al Jazeera)
وهذا يعني أن أي تهديد أمني يطال الوفد الإيراني كان يمكن أن ينعكس مباشرة على مسار تفاوضي شاق بدأ يحقق اختراقات محدودة بعد أشهر من التوتر.
ما الرسالة السياسية من هذه التسريبات؟
توقيت التسريبات لا يقل أهمية عن مضمونها. فهي جاءت في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، ومع استمرار التوتر بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، ما يجعل نشر مثل هذه المعلومات جزءاً من معركة أوسع تتداخل فيها الدبلوماسية والاستخبارات والإعلام.
ومن المحتمل أن يكون هدف التسريب، من وجهة نظر بعض المراقبين، هو تحذير الأطراف من كلفة استهداف المسار التفاوضي، أو وضع ضغوط سياسية على إسرائيل، أو طمأنة إيران بأن واشنطن لا ترغب في تعطيل المحادثات عبر عمليات أمنية.
لكن في المقابل، قد تُستخدم مثل هذه التقارير أيضاً في تعميق الشكوك بين الأطراف، خصوصاً إذا لم تُرفق بأدلة واضحة أو بيانات رسمية مفصلة.
ماذا يعني ذلك للمنطقة؟
إذا صحت المخاوف الأمريكية، فإن المنطقة كانت قريبة من لحظة شديدة الخطورة؛ لأن اغتيال مفاوضين رفيعي المستوى خلال محادثات مع واشنطن كان سيؤدي غالباً إلى رد إيراني حاد، وربما إلى انهيار أي تفاهمات ناشئة حول الخليج والطاقة والملف النووي.
أما إذا كانت التقارير مبالغاً فيها أو غير دقيقة، فإن مجرد تداولها يكشف مستوى انعدام الثقة بين الأطراف، ويؤكد أن أي مسار تفاوضي في الشرق الأوسط يبقى هشاً ما لم تُحط به ضمانات أمنية وسياسية واضحة.
الخلاصة
الحقيقة المتاحة حتى الآن أن هناك تقارير أمريكية تحدثت عن مخاوف من احتمال استهداف كبار المفاوضين الإيرانيين، وأن واشنطن تعاملت مع هذه المخاوف بجدية خشية انهيار المحادثات. في المقابل، تنفي إسرائيل صحة هذه الاتهامات وتصفها بأنها غير صحيحة.
وبين الروايتين، تبقى النقطة الأهم أن الدبلوماسية في الشرق الأوسط لا تتحرك فقط داخل غرف التفاوض، بل وسط صراعات استخباراتية وأمنية وإعلامية يمكن أن تقلب مسار الأحداث في لحظة واحدة.
لقطة …
في الملفات الكبرى، لا تكون المفاوضات دائماً صراعاً على الكلمات فقط، بل صراعاً على حماية المسار نفسه من الرصاص والتسريب والتخريب. وقضية المفاوضين الإيرانيين تكشف أن أخطر ما يواجه الدبلوماسية ليس فشل الاتفاق، بل أن يُقتل الطريق إليه قبل أن يكتمل.
عين ترصد الحدث والعقل يقرأ المشهد



















