من المناجم إلى المجهول.. كيف تبدأ رحلة الذهب السوداني خارج دفاتر الدولة؟
المحرر
www.lagtaai.com
30 يونيو 2026
في قلب الصحراء الممتدة بين شمال السودان وشرقه وغربه، وبين التلال الجرداء والأودية النائية، يعمل عشرات الآلاف من السودانيين يومياً في البحث عن الذهب. بعضهم جاء هرباً من الفقر، وبعضهم دفعتهم الحرب إلى ترك وظائفهم وقراهم ومدنهم بحثاً عن مصدر دخل جديد، بينما تحول آخرون إلى جزء من اقتصاد كامل نشأ حول المعدن الأصفر وأصبح أحد أكبر الأنشطة الاقتصادية في البلاد.
لكن خلف مشهد الحفر والتنقيب وأجهزة الطحن وأكوام الصخور، يبرز سؤال ظل يتكرر لسنوات دون إجابة واضحة: إذا كان السودان من أكبر منتجي الذهب في أفريقيا، فأين تذهب عائدات هذا الذهب؟ ولماذا لا ينعكس إنتاجه الضخم على حياة المواطنين أو على استقرار الاقتصاد الوطني؟
هذا التحقيق لا يبحث عن إجابة سهلة، بل يتتبع بداية رحلة الذهب السوداني منذ خروجه من باطن الأرض وحتى لحظة اختفائه من الحسابات الاقتصادية الرسمية.
الذهب.. المورد الذي ورث النفط
منذ انفصال جنوب السودان عام 2011 وفقدان الخرطوم معظم عائدات النفط، أصبح الذهب المورد الاستراتيجي الأول للاقتصاد السوداني.
وخلال السنوات اللاحقة توسعت عمليات التعدين بصورة غير مسبوقة، سواء عبر الشركات المنظمة أو التعدين الأهلي الذي انتشر في معظم ولايات السودان.
وتشير تقديرات رسمية ومتخصصة إلى أن مئات الآلاف من السودانيين باتوا يعتمدون بصورة مباشرة أو غير مباشرة على قطاع التعدين الأهلي، الذي أصبح مصدر دخل رئيسياً في ظل التدهور الاقتصادي والحرب المستمرة.
وبينما كانت الحكومات المتعاقبة تنظر إلى الذهب باعتباره البديل القادر على تعويض خسائر النفط، كانت مشكلة أخرى تنمو في الظل: إنتاج ضخم لا يقابله تدفق مالي مماثل إلى خزينة الدولة.
فجوة تثير الأسئلة
عند مراجعة البيانات الرسمية خلال السنوات الأخيرة، تظهر فجوة لافتة بين حجم الإنتاج المعلن وحجم الصادرات الرسمية.
فإذا كانت البلاد تنتج عشرات الأطنان سنوياً، فلماذا تظهر الصادرات الرسمية بأرقام أقل بكثير؟
هذه الفجوة دفعت خبراء اقتصاد ومراقبين إلى الاعتقاد بأن جزءاً كبيراً من الذهب يغادر الدورة الاقتصادية الرسمية قبل أن يصل إلى القنوات الحكومية المعتمدة.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن كل الفجوة ناتجة عن التهريب، فهناك عوامل أخرى مثل التخزين المحلي، أو التداول داخل السوق السودانية، أو وجود تقديرات مختلفة للإنتاج. لكن حجم الفارق الكبير جعل ملف الذهب واحداً من أكثر الملفات الاقتصادية إثارة للجدل خلال العقد الأخير.
داخل مناطق الإنتاج
في مناطق التعدين التقليدي، تبدأ القصة بعيداً عن أعين المؤسسات الرسمية.
يصل المعدنون إلى مواقع الإنتاج حاملين معدات بسيطة في كثير من الأحيان، بينما تعمل مجموعات أخرى بأجهزة أكثر تطوراً. وبعد استخراج الخام تبدأ سلسلة طويلة من الوسطاء والتجار والمشترين.
ويؤكد عاملون في القطاع أن الذهب المستخرج لا يصل دائماً إلى الأسواق الرسمية أو مراكز الشراء الحكومية، بل ينتقل في كثير من الأحيان عبر شبكات تجارية خاصة تعتمد على النقد الفوري والأسعار المغرية وسرعة الإجراءات.
وهنا تظهر أول نقطة غامضة في رحلة المعدن النفيس: من يشتري الذهب أولاً؟ وكيف يتم توثيق الكميات الحقيقية المنتجة؟
اقتصاد الحرب يغير قواعد اللعبة
مع اندلاع الحرب في أبريل 2023، دخل قطاع الذهب مرحلة جديدة أكثر تعقيداً.
ففي ظل اضطراب مؤسسات الدولة وصعوبة الرقابة على بعض المناطق واتساع حركة النزوح، أصبح الذهب بالنسبة لكثيرين وسيلة ادخار وتبادل أكثر استقراراً من العملة المحلية.
كما تحولت بعض مناطق التعدين إلى مراكز اقتصادية قائمة بذاتها، تدور فيها عمليات بيع وشراء وتمويل بعيدة عن النظام المصرفي التقليدي.
ويرى خبراء أن الحرب لم تخلق مشكلة التهريب، لكنها وفرت بيئة جعلت السيطرة على حركة الذهب أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
بين الدولة والسوق الموازية
تحاول الدولة منذ سنوات زيادة حصتها من الذهب عبر الشراء المباشر وتنظيم الصادرات وتشديد الرقابة، لكن السوق الموازية ظلت تمتلك عوامل جذب قوية.
ففي كثير من الحالات يحصل المنتج أو التاجر على أسعار أعلى خارج القنوات الرسمية، إضافة إلى سرعة الدفع وقلة الإجراءات.
وتؤدي هذه المعادلة إلى استمرار نزيف كميات من الذهب خارج النظام الاقتصادي الرسمي، الأمر الذي يحرم الدولة من جزء مهم من النقد الأجنبي والضرائب والرسوم.
السؤال الذي يقود التحقيق
حتى هذه المرحلة من رحلة الذهب، لا يزال المعدن داخل الحدود السودانية. لكن المؤشرات توحي بأن جزءاً من الكميات المنتجة يبدأ في مغادرة الدفاتر الرسمية قبل أن يغادر البلاد فعلياً.
فكيف يتحرك الذهب من مناطق التعدين إلى الحدود؟ وما هي المسارات التي يسلكها للوصول إلى الأسواق العالمية؟ ومن هم الوسطاء الذين يديرون هذه الشبكات؟
هذه الأسئلة ستكون محور الجزء الثاني من التحقيق، الذي يتتبع الطرق التي يسلكها الذهب السوداني من المناجم إلى المعابر والأسواق الخارجية، في رحلة تختفي خلالها مليارات الدولارات بعيداً عن أعين الاقتصاد الرسمي.
يتبع…





















