بقلم: مصطفى محمود
7 يوليو 2026
يتصدر المشهد السوداني اليوم سؤال سياسي معقد يزداد حضوراً كلما طالت أمد الحرب: هل أعادت الأزمة الراهنة إنتاج نفوذ النظام السابق بصورة مباشرة أو غير مباشرة؟ وبينما يرى البعض أن الاستعانة ببعض الكوادر المرتبطة بالعهد السابق تمثل ضرورة فرضتها ظروف الحرب، يعتبر آخرون أن ما يحدث هو عملية إعادة تموضع سياسية تجري تحت مظلة “الاصطفاف الوطني” و”معركة الدولة”.
جدلية الضرورة والاستعادة
لا يمكن فهم هذا الجدل بمعزل عن طبيعة الحرب نفسها. فمنذ اندلاع الصراع في أبريل 2023 واجهت مؤسسات الدولة تحديات غير مسبوقة شملت الانهيار الإداري في بعض المناطق، وتعطل الخدمات، ونزوح أعداد كبيرة من العاملين في الجهاز المدني.
في ظل هذه الظروف، لجأت مؤسسات مختلفة إلى الاستفادة من كوادر تمتلك خبرة سابقة في إدارة الدولة والعمل التنفيذي، وهو ما شمل بطبيعة الحال أفراداً ارتبطوا بمؤسسات عملت خلال فترة حكم الإنقاذ.
أنصار هذا التوجه يرون أن المسألة تتعلق بالكفاءة والخبرة أكثر من ارتباطها بالولاء السياسي، بينما يرى منتقدوه أن الحرب وفرت فرصة غير مسبوقة لعودة شبكات نفوذ كانت قد تراجعت بعد سقوط النظام عام 2019.
الحرب تعيد تشكيل التحالفات
من أبرز التحولات التي أفرزتها الحرب إعادة تشكيل الخريطة السياسية والتحالفات التقليدية داخل البلاد.
ففي أوقات النزاعات الكبرى تميل القوى المختلفة إلى بناء تحالفات تقوم على الضرورة أكثر من التقارب الأيديولوجي، وهو ما أوجد مساحة مشتركة بين المؤسسة العسكرية ومجموعات سياسية واجتماعية كانت خارج المشهد خلال السنوات الماضية.
ويرى مراقبون أن هذه التحالفات المؤقتة قد تتحول لاحقاً إلى شراكات سياسية دائمة إذا استمرت الحرب لفترة أطول أو إذا دخلت البلاد مرحلة انتقالية جديدة دون توافق واسع بين القوى السياسية.
التوازنات الدولية ومحاذير العودة
رغم الحديث المتكرر عن عودة بعض رموز النظام السابق، فإن البيئة الدولية لا تزال تمثل أحد أكبر العوائق أمام أي محاولة لإعادة إنتاج التجربة السابقة بصورة كاملة.
فملفات المحكمة الجنائية الدولية والعقوبات والعلاقات الخارجية تجعل من الصعب عودة النظام السابق بصورته التقليدية أو استعادة هياكله القديمة بشكل مباشر.
كما أن عدداً من الشركاء الدوليين للسودان يربطون أي دعم سياسي أو اقتصادي مستقبلي بوجود مسار سياسي جديد يتجاوز الصراعات القديمة ويعالج جذور الأزمة السودانية.
هل عادت الإنقاذ فعلاً؟
الإجابة ليست بهذه البساطة.
فحتى الآن لا توجد مؤشرات موثقة تؤكد وجود مشروع متكامل لإعادة النظام السابق إلى السلطة كما كان قبل عام 2019، لكن في المقابل يصعب تجاهل أن الحرب أعادت لبعض الشخصيات والشبكات المرتبطة بتلك المرحلة مساحة من التأثير والحضور لم تكن متاحة لها خلال السنوات الأولى بعد الثورة.
وهنا يميز العديد من المحللين بين عودة الأشخاص وعودة النظام.
فالأولى يمكن أن تحدث في ظل أي أزمة تحتاج إلى خبرات إدارية وتنظيمية، بينما الثانية تتطلب مشروعاً سياسياً متكاملاً ومؤسسات قادرة على استعادة السيطرة على الدولة، وهو أمر لا تظهر مؤشراته بصورة واضحة حتى الآن.
التحليل السياسي أم الحقيقة الموثقة؟
من المهم التمييز بين المؤشرات السياسية والوقائع المثبتة.
فمعظم النقاش الدائر حالياً يعتمد على ملاحظات وتحليلات مرتبطة بسلوك الفاعلين السياسيين والعسكريين، بينما لا تزال الأدلة الموثقة التي تثبت وجود خطة منظمة لإعادة النظام السابق غائبة عن المجال العام.
لذلك يبقى الحديث عن “البوابة السرية” أقرب إلى التوصيف السياسي والتحليل الاستنتاجي منه إلى الاستنتاج القائم على وثائق وبيانات رسمية قاطعة.
ما بعد الحرب هو الفيصل
قد لا تكون الحرب قد أعادت النظام السابق حتى الآن، لكنها بلا شك أعادت ترتيب موازين القوى داخل السودان.
والسؤال الحقيقي ربما لا يتعلق بما إذا كانت الإنقاذ قد عادت، بل بما إذا كانت الدولة السودانية ستنجح بعد الحرب في بناء نموذج سياسي جديد يتجاوز صراعات الماضي، أم أن الظروف الاستثنائية ستقود إلى إعادة إنتاج وجوه وأدوات حكم عرفها السودانيون من قبل.
لقطة …
تكشف الحرب السودانية أن الصراعات الطويلة لا تعيد رسم الخرائط العسكرية فحسب، بل تعيد أيضاً تشكيل النفوذ والتحالفات ومراكز القرار. وبين من يرى عودة للنظام السابق ومن يرى مجرد تحالفات فرضتها الضرورة، تبقى الإجابة النهائية رهينة بما سيحدث بعد توقف الحرب لا أثناء استمرارها.
عين ترصد الحدث والعقل يقرأ المشهد.

















