المحرر www.lagtaai.com
29 يونيو 2026
تُعد العلاقات العربية الإسرائيلية واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الشرق الأوسط الحديث، لأنها تقع في منطقة رمادية بين منطق الدولة ومنطق القضية، وبين حسابات المصالح الوطنية والالتزامات الأخلاقية والسياسية المرتبطة بالقضية الفلسطينية.
فعلى مدى عقود طويلة، ظل الموقف العربي الرسمي والشعبي ينظر إلى فلسطين باعتبارها القضية المركزية في المنطقة. لكن التحولات الجيوسياسية التي شهدها الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة دفعت عدداً من الدول العربية إلى إعادة صياغة أولوياتها الاستراتيجية، والانتقال من منطق الصراع المفتوح إلى منطق إدارة المصالح والتحديات الإقليمية.
ومن هنا برز السؤال الذي لا يزال مطروحاً حتى اليوم:
هل حققت العلاقات العربية الإسرائيلية الأهداف التي أُنشئت من أجلها؟ أم أنها فتحت الباب أمام معادلات جديدة لم تنجح بعد في تحقيق الاستقرار المنشود؟
منطق المصلحة.. كيف تفكر الدول؟
عندما تتخذ الدول قراراتها الاستراتيجية، فإنها لا تتحرك عادة وفق العواطف أو الاعتبارات الأيديولوجية، بل وفق ما تراه مصلحة وطنية مباشرة.
ومن هذا المنطلق، استندت الدول العربية التي اتجهت نحو التطبيع أو بناء علاقات مع إسرائيل إلى جملة من الاعتبارات الأمنية والاقتصادية.
فبعض هذه الدول ترى أن البيئة الإقليمية تغيرت بصورة جذرية، وأن التحديات الجديدة لم تعد تقتصر على الصراع العربي الإسرائيلي التقليدي، بل تشمل ملفات النفوذ الإقليمي، وأمن الملاحة، والأمن السيبراني، والطاقة، والتكنولوجيا المتقدمة.
كما أن إسرائيل تُعد واحدة من أكثر دول المنطقة تقدماً في مجالات التكنولوجيا الزراعية وتحلية المياه والذكاء الاصطناعي والأمن الإلكتروني، وهو ما دفع بعض الحكومات العربية إلى النظر إليها كشريك محتمل في مشاريع التنمية والتحديث الاقتصادي.
إلى جانب ذلك، لا يمكن تجاهل العامل الأمريكي، حيث تنظر بعض العواصم العربية إلى العلاقات مع إسرائيل باعتبارها إحدى أدوات تعزيز الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة والحصول على مزايا أمنية أو اقتصادية إضافية.
معضلة العدالة.. القضية التي لم تختفِ
في المقابل، تظل القضية الفلسطينية تمثل مركز الثقل الأخلاقي والسياسي في هذا الجدل.
فمنتقدو التطبيع يرون أن المشكلة الأساسية لا تتعلق بحق الدول في إدارة مصالحها، بل في غياب مقابل سياسي حقيقي للفلسطينيين.
ويعتقد هؤلاء أن التطبيع أدى إلى تراجع إحدى أهم أوراق الضغط العربية التقليدية دون أن يحقق تقدماً ملموساً في ملفات التسوية النهائية أو إقامة الدولة الفلسطينية أو وقف الاستيطان.
كما أن القضية الفلسطينية لا تُنظر إليها في الوعي العربي باعتبارها مجرد نزاع حدودي أو ملف دبلوماسي، بل بوصفها جزءاً من الذاكرة السياسية والوجدانية العربية.
ولهذا فإن أي مسار سياسي يتجاوز هذا البعد يواجه صعوبة في بناء قبول شعبي واسع ومستدام.
السلام الرسمي والسلام الشعبي
من أبرز الإشكاليات التي تواجه العلاقات العربية الإسرائيلية وجود فجوة واضحة بين القرار الرسمي والمزاج الشعبي في كثير من الدول.
ففي حين استطاعت الحكومات بناء قنوات تعاون سياسية واقتصادية وأمنية، لا تزال قطاعات واسعة من الرأي العام العربي تنظر إلى هذه العلاقات بتحفظ أو رفض.
وهنا يبرز سؤال مهم:
هل يمكن لعلاقة سياسية أن تصبح مستقرة ومستدامة إذا بقيت محصورة في النخب والمؤسسات الرسمية؟
تجارب التاريخ تشير إلى أن السلام الأكثر استقراراً هو ذلك الذي ينجح في التحول من اتفاقيات سياسية إلى قبول مجتمعي واسع، وهو ما لا يزال يمثل تحدياً حقيقياً في الحالة العربية الإسرائيلية.
هل تحققت المكاسب الاقتصادية؟
اقتصادياً، حققت بعض الدول العربية مكاسب ملموسة من حيث حجم التبادل التجاري والاستثمارات المشتركة والتعاون في قطاعات التكنولوجيا والطاقة.
لكن الجدل لا يزال قائماً حول حجم هذه المكاسب ومدى انعكاسها على حياة المواطنين بصورة مباشرة.
فالعلاقات الاقتصادية تُقاس في النهاية بقدرتها على خلق فرص العمل وتحسين مستويات المعيشة ونقل المعرفة وتطوير الاقتصاد الوطني.
ولهذا فإن الحكم النهائي على نجاح هذه العلاقات اقتصادياً لا يزال يحتاج إلى وقت أطول ونتائج أكثر وضوحاً على المستوى الشعبي.
الأمن الإقليمي.. استقرار أم إعادة تموضع؟
يرى مؤيدو هذه العلاقات أنها ساهمت في بناء شبكة من المصالح المتبادلة التي قد تقلل من احتمالات الصراع المباشر في المنطقة.
لكن منتقدين يطرحون سؤالاً مختلفاً:
هل أدت هذه التحالفات إلى تعزيز الأمن الإقليمي فعلاً، أم أنها دفعت أطرافاً أخرى إلى إعادة تموضعها ورفع مستوى استقطابها السياسي والعسكري؟
بمعنى آخر، هل أنتجت هذه العلاقات استقراراً دائماً، أم أنها أعادت رسم خطوط التنافس الإقليمي بأشكال جديدة؟
لا تزال الإجابة عن هذا السؤال محل نقاش مفتوح بين الباحثين وصناع القرار.
بين سلام المصالح وعدالة القضية
ربما تكمن المعضلة الحقيقية في أن المنطقة تحاول الجمع بين مسارين متوازيين:
الأول هو مسار المصالح الوطنية للدول.
والثاني هو مسار العدالة السياسية المرتبطة بالقضية الفلسطينية.
وحتى الآن لم تنجح المنطقة في إيجاد صيغة متوازنة تحقق الأمرين معاً بصورة كاملة.
فالدول العربية تسعى إلى حماية مصالحها وأمنها وتنميتها، بينما يظل الفلسطينيون يبحثون عن حل عادل لقضيتهم وحقوقهم الوطنية.
الخلاصة
تكشف تجربة العلاقات العربية الإسرائيلية أن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة جديدة عنوانها إدارة المصالح والتوازنات الإقليمية.
لكن التجربة كشفت أيضاً أن اختراق الجدار السياسي لا يعني بالضرورة حل المشكلات التاريخية العميقة.
فإسرائيل حققت مكسباً استراتيجياً مهماً عبر توسيع علاقاتها الإقليمية وكسر جزء من عزلتها التاريخية، بينما حققت بعض الدول العربية مكاسب سياسية واقتصادية وأمنية متفاوتة.
ومع ذلك، يبقى السؤال الأكبر قائماً:
هل يمكن بناء شرق أوسط مستقر بينما تظل القضية الفلسطينية دون حل عادل ومستدام؟
حتى الآن، تبدو الإجابة غير محسومة.
فالعلاقات العربية الإسرائيلية قد تكون جزءاً من معادلة الاستقرار، لكنها لا تبدو قادرة وحدها على صناعة سلام شامل ما لم تترافق مع معالجة حقيقية لجذور الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
ولهذا فإن الجدوى النهائية لهذه العلاقات لن تُقاس فقط بحجم الصفقات أو التحالفات، بل بقدرتها على المساهمة في بناء منطقة أكثر استقراراً وعدالة لجميع شعوبها.





















