بقلم: سارة الملك
7 يوليو 2026
لم تعد الانتهاكات الجنسية المرتبطة بالحرب في السودان تُقرأ باعتبارها جرائم فردية معزولة أو تجاوزات مرتبطة بالفوضى الأمنية، بل أصبحت وفقاً لتقارير أممية متطابقة جزءاً من نمط واسع وممنهج ارتبط بمسار النزاع منذ اندلاعه في أبريل 2023.
وفي أحدث تقاريره الصادرة في يونيو 2026، رسم مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان صورة قاتمة لحجم هذه الانتهاكات، معتبراً أن العنف الجنسي تحول في العديد من المناطق إلى أداة حرب تُستخدم لترهيب المدنيين، وتفكيك المجتمعات المحلية، وفرض السيطرة على المناطق المتنازع عليها.
أرقام تكشف حجم المأساة
بحسب التقرير الأممي، تم توثيق 546 حادثة عنف جنسي في 16 ولاية سودانية خلال الفترة الممتدة من أبريل 2023 وحتى منتصف أبريل 2026.
وأسفرت هذه الحوادث عن 838 ضحية موثقة على الأقل، توزعت على النحو التالي:
- 539 امرأة (64%)
- 284 فتاة (34%)
- 15 رجلاً وفتى (2%)
وتوضح هذه الأرقام أن النساء والفتيات شكلن الغالبية الساحقة من الضحايا، وهو ما يعكس الطبيعة الجندرية لهذه الانتهاكات.
أنماط متكررة ومنهجية
يكشف التقرير أن الانتهاكات لم تقتصر على شكل واحد من أشكال العنف الجنسي، بل تنوعت بين:
- 51.3% حالات اغتصاب فردي
- 21.5% حالات اغتصاب جماعي
- 17% حالات اختطاف مرتبطة بالعنف الجنسي
- 10% حالات عبودية واستغلال جنسي
وتشير الأمم المتحدة إلى أن بعض الحوادث اتسمت بدرجة عالية من الوحشية، حيث وثقت حالات اغتصاب جماعي شارك فيها عدد كبير من الجناة ضد ضحية واحدة.
ما وراء الأرقام
الأرقام وحدها لا تروي القصة كاملة.
فالتقرير يشير إلى وفاة 13 ضحية نتيجة الإصابات والعنف المرتبط بعمليات الاغتصاب، بينهم أطفال. كما تم تسجيل 59 حالة حمل أو إنجابنتيجة الاعتداءات الجنسية، في وقت تعاني فيه المنظومة الصحية السودانية من انهيار واسع النطاق.
كما وثقت الأمم المتحدة 85 حالة عبودية جنسية تعرضت لها نساء وفتيات تم احتجازهن وإجبارهن على العمل القسري أو الاستغلال الجنسي لفترات متفاوتة.
دارفور في قلب الأزمة
من بين أكثر الجوانب إثارة للقلق ما أورده التقرير بشأن ارتباط بعض الانتهاكات بالهوية العرقية للضحايا، خاصة في إقليم دارفور.
فبحسب شهادات ناجين وناجيات، كان بعض المهاجمين يسألون الضحايا عن انتمائهم القبلي قبل تنفيذ الاعتداءات، وهو ما اعتبره التقرير مؤشراً خطيراً على وجود دوافع مرتبطة بالاستهداف العرقي في بعض الحالات.
ويرى خبراء حقوق الإنسان أن هذا النمط يرفع من خطورة الانتهاكات ويمنحها أبعاداً تتجاوز العنف الجنسي التقليدي لتقترب من جرائم الاضطهاد والاستهداف الجماعي.
لماذا يُستخدم العنف الجنسي في الحروب؟
تاريخياً، استخدمت الجماعات المسلحة في العديد من النزاعات حول العالم العنف الجنسي كوسيلة لتحقيق أهداف تتجاوز إيذاء الضحية نفسها.
فهو يُستخدم لترهيب المجتمعات المحلية، وإجبار السكان على النزوح، وكسر الروابط الاجتماعية والنفسية داخل المجتمعات المستهدفة.
وفي الحالة السودانية، تشير التقارير الدولية إلى أن كثيراً من هذه الانتهاكات وقعت خلال عمليات اقتحام المدن والقرى أو أثناء النزوح والفرار من مناطق القتال.
مرتكبو الانتهاكات ومسألة المساءلة
أشار التقرير الأممي إلى أن غالبية الحالات الموثقة نُسبت إلى عناصر في قوات الدعم السريع ومجموعات متحالفة معها، مع تسجيل حالات أخرى تورطت فيها أطراف مختلفة ضمن بيئة النزاع، بما في ذلك عناصر تتبع للقوات المسلحة وجهات أمنية أخرى.
ويؤكد التقرير أن التركيز الأساسي يجب أن ينصب على حماية الضحايا وضمان المساءلة القانونية بعيداً عن التوظيف السياسي للانتهاكات، خاصة أن الجرائم الجنسية في النزاعات المسلحة تخضع لقواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
التحدي الأكبر: الأرقام الحقيقية قد تكون أعلى
تؤكد الأمم المتحدة أن الأرقام المعلنة لا تمثل الحجم الحقيقي للظاهرة.
فالعنف الجنسي من أكثر الجرائم التي تعاني من ضعف التبليغ، خاصة في المجتمعات المحافظة التي تخشى الوصمة الاجتماعية أو الانتقام أو فقدان الحماية.
كما أن استمرار القتال في مناطق عديدة يحول دون وصول فرق التوثيق والتحقيق إلى جميع الضحايا والمناطق المتضررة.
ولهذا السبب، يرجح خبراء حقوق الإنسان أن تكون الأرقام الفعلية أعلى بكثير من الحالات الموثقة رسمياً.
العدالة المؤجلة
يرى مراقبون أن التحدي الأكبر لا يتمثل فقط في توثيق الجرائم، بل في ضمان المساءلة ومنع الإفلات من العقاب.
فكلما استمرت الانتهاكات دون محاسبة، ازدادت احتمالات تكرارها وتوسعت دائرة الضحايا.
كما أن معالجة الآثار النفسية والاجتماعية لهذه الجرائم ستتطلب سنوات طويلة من الدعم الصحي والقانوني والاجتماعي للناجين والناجيات، حتى بعد توقف الحرب.
الخلاصة
تكشف هذه الأرقام أن الحرب السودانية لم تقتصر على المعارك العسكرية والدمار المادي، بل امتدت إلى أجساد المدنيين وحياتهم الخاصة ومجتمعاتهم المحلية.
ويبقى العنف الجنسي واحداً من أكثر وجوه الحرب قسوة وصعوبة في التوثيق والمعالجة، الأمر الذي يجعل حماية المدنيين وتحقيق العدالة للضحايا من أكثر الملفات إلحاحاً في أي مسار مستقبلي لإنهاء النزاع وإعادة بناء الدولة السودانية.
لقطة …
حين تتحول أجساد المدنيين إلى ساحة أخرى للحرب، تصبح القضية أكبر من مجرد انتهاكات فردية. إنها معركة تتعلق بالكرامة الإنسانية والعدالة وحق المجتمعات في العيش بعيداً عن الخوف. وما لم تتحقق المساءلة، ستظل آثار هذه الجرائم حاضرة حتى بعد توقف إطلاق النار.
عين ترصد الحدث والعقل يقرأ المشهد.




















