المحرر www.lagtaai.com
29 يونيو 2026
في خضم الصراع السوداني المستمر منذ أبريل 2023، برزت مواقف القوى الإقليمية والدولية بوصفها أحد العوامل المؤثرة في المشهد السياسي والعسكري. وبينما اتجهت بعض الدول إلى تبني أدوار أكثر انخراطاً أو إثارة للجدل، اختارت تركيا نهجاً مختلفاً يقوم على ما يمكن وصفه بـ”البراغماتية الاستراتيجية”، التي تجمع بين دعم مؤسسات الدولة السودانية والحفاظ على المصالح طويلة الأمد في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وتشير قراءة المواقف التركية خلال السنوات الأخيرة إلى أن أنقرة تنظر إلى السودان باعتباره أكثر من مجرد ساحة نزاع داخلي؛ فهو يمثل حلقة مهمة في شبكة المصالح الاقتصادية والجيوسياسية التركية الممتدة نحو أفريقيا.
دعم الدولة أم دعم طرف في الحرب؟
منذ اندلاع الحرب، حرصت أنقرة على تأكيد دعمها لوحدة السودان وسيادته واستقرار مؤسساته الرسمية.
وفي الخطاب الرسمي التركي، يبرز التركيز على الحفاظ على مؤسسات الدولة ومنع انهيارها، باعتبار أن تفكك الدولة السودانية قد يفتح الباب أمام حالة من عدم الاستقرار تمتد آثارها إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وشهدت الفترة الماضية لقاءات واتصالات رفيعة المستوى بين مسؤولين أتراك وقيادة الدولة السودانية، عكست استمرار الاعتراف التركي بالمؤسسات الرسمية باعتبارها الشريك الأساسي في أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بالسودان.
ويرى مراقبون أن هذا الموقف يضع تركيا عملياً في خانة الدول الأقرب إلى رؤية الحكومة السودانية، حتى وإن كانت أنقرة تتجنب الانخراط العسكري المباشر أو اتخاذ خطوات يمكن أن تُفسر باعتبارها مشاركة في العمليات القتالية.
البحر الأحمر في قلب الحسابات
يصعب فهم السياسة التركية تجاه السودان بمعزل عن البحر الأحمر.
فالسنوات الأخيرة شهدت اهتماماً تركياً متزايداً بالممرات البحرية والتجارة الدولية والأسواق الأفريقية، وهو ما جعل السودان يحتل موقعاً مهماً في الحسابات الاستراتيجية لأنقرة.
ويتمتع السودان بموقع جغرافي فريد يربط بين شمال أفريقيا وشرقها، ويطل على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، الأمر الذي يجعله شريكاً مهماً في أي رؤية تركية طويلة الأمد تتعلق بالتجارة أو النفوذ الإقليمي.
ولهذا السبب تنظر أنقرة إلى استقرار السودان باعتباره عاملاً مهماً في حماية مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في المنطقة.
ما بعد الحرب.. الرهان الاقتصادي
لا تقتصر الحسابات التركية على التطورات العسكرية الراهنة.
فالكثير من التقديرات تشير إلى أن أنقرة تضع جزءاً كبيراً من اهتمامها على مرحلة ما بعد الحرب، حيث تتطلع إلى المشاركة في مشاريع إعادة الإعمار والبنية التحتية والطاقة والزراعة والتعدين.
وخلال السنوات الماضية وقعت تركيا والسودان عدداً من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في مجالات مختلفة، ويرى مراقبون أن أنقرة تسعى للحفاظ على هذه المكتسبات وتعزيزها عندما تسمح الظروف الأمنية بذلك.
ومن هذا المنطلق، فإن استقرار مؤسسات الدولة يمثل بالنسبة لتركيا ضمانة أساسية لحماية الاستثمارات والعلاقات الاقتصادية المستقبلية.
هل يطيل الدعم السياسي أمد الحرب؟
يظل هذا السؤال محل جدل بين المحللين.
فبعض القراءات ترى أن الدعم السياسي والدبلوماسي الذي تتلقاه الحكومة السودانية من بعض حلفائها الإقليميين قد يعزز الرهان على الحل العسكري ويؤخر فرص التسوية السياسية الشاملة.
في المقابل، يرى آخرون أن دعم مؤسسات الدولة لا يعني بالضرورة تشجيع الحرب، بل قد يُنظر إليه باعتباره محاولة لمنع انهيار الدولة والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار المؤسسي الضروري لأي عملية سلام مستقبلية.
أما الموقف التركي الرسمي، فيركز على دعم الدولة السودانية ومؤسساتها الشرعية، مع التأكيد على أهمية استقرار السودان ووحدة أراضيه.
التنسيق مع القوى الإقليمية
يلاحظ مراقبون أن السياسة التركية تجاه السودان تتحرك ضمن شبكة من التفاهمات الإقليمية الأوسع، خاصة مع الدول التي تضع أولوية للحفاظ على وحدة السودان ومنع انهيار مؤسساته.
ويُنظر إلى هذا التوجه باعتباره جزءاً من رؤية إقليمية تسعى إلى تجنب سيناريوهات التفكك أو التقسيم التي شهدتها دول أخرى في المنطقة خلال العقدين الماضيين.
خاتمة
تكشف السياسة التركية تجاه السودان عن مزيج معقد من المبادئ والمصالح.
فمن جهة، تؤكد أنقرة دعمها لوحدة السودان ومؤسساته الرسمية، ومن جهة أخرى تدرك أن مستقبل نفوذها الاقتصادي والاستراتيجي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي يرتبط إلى حد كبير بمآلات الأزمة السودانية.
وبين هذين البعدين، تواصل تركيا اتباع سياسة تقوم على دعم الاستقرار المؤسسي والاستعداد لمرحلة ما بعد الحرب، في انتظار أن تتضح ملامح السودان الجديد الذي ستفرزه سنوات الصراع الحالية.





















