المحرر
www.lagtaai.com
30 يونيو 2026
أثارت الأنباء المتداولة حول اتفاقية مرتقبة بين وزارة المعادن السودانية وشركة صينية لتطوير مشروع النحاس في ولاية البحر الأحمر شرق السودان نقاشاً واسعاً داخل الأوساط الاقتصادية والسياسية، وسط تساؤلات متزايدة حول شروط الاتفاق، والعائد المتوقع للسودان، وتوقيت إبرام مثل هذه العقود في ظل الحرب التي تشهدها البلاد.
ورغم عدم نشر النص الكامل للاتفاقية بصورة رسمية حتى الآن، فإن المعلومات المتداولة تشير إلى مشروع استثماري طويل الأجل يتعلق بأحد أهم المعادن الاستراتيجية التي يزداد الطلب عليها عالمياً مع توسع صناعات الطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية والبنية التحتية الرقمية. (Dabanga Radio TV Online)
ما الذي نعرفه عن الاتفاق؟
بحسب المعلومات التي تداولتها وسائل إعلام ومصادر محلية، فإن الاتفاق المقترح يمنح شركة صينية حق تطوير واستغلال مشروع للنحاس في ولاية البحر الأحمر لفترة تصل إلى ثلاثين عاماً، باستثمارات تقدر بنحو 300 مليون دولار، مع حديث عن حصول السودان على نسبة تبلغ 30% من الأرباح. كما أشارت بعض التقارير إلى وجود ترتيبات مرتبطة بديون أو التزامات مالية سابقة بين الخرطوم وبكين. (Dabanga Radio TV Online)
غير أن هذه المعلومات لم تُنشر حتى الآن ضمن وثيقة رسمية كاملة، الأمر الذي جعل كثيراً من النقاشات تدور حول تسريبات وتقديرات أكثر من اعتمادها على نصوص معلنة للرأي العام.
لماذا يثير النحاس كل هذا الاهتمام؟
قبل سنوات قليلة كان الذهب هو المعدن الذي يستحوذ على الاهتمام الأكبر في أفريقيا والعالم النامي، لكن التحولات الصناعية العالمية غيرت المعادلة.
فالنحاس أصبح اليوم أحد أهم المعادن المطلوبة في الاقتصاد العالمي بسبب استخداماته الواسعة في:
- السيارات الكهربائية.
- شبكات الكهرباء الحديثة.
- الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
- مراكز البيانات والحوسبة السحابية.
- البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
ولهذا يصف بعض الخبراء النحاس بأنه “نفط التحول الأخضر”، نظراً للدور الذي يلعبه في الاقتصاد العالمي الجديد. (صحيفة الهدف)
بين الحاجة للاستثمار ومطالب الشفافية
يرى مؤيدو الاتفاق أن السودان يحتاج بصورة عاجلة إلى استثمارات أجنبية كبيرة في قطاع التعدين، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد.
ويشير هؤلاء إلى أن تطوير مشاريع التعدين الضخمة يتطلب رؤوس أموال وتقنيات متقدمة قد لا تكون متاحة محلياً، وأن جذب الشركات الدولية يمثل خطوة ضرورية لتحويل الموارد الطبيعية إلى عائدات اقتصادية حقيقية.
في المقابل، يرى منتقدو الاتفاق أن القضية لا تتعلق برفض الاستثمار الأجنبي، بل بضمان حصول السودان على أفضل الشروط الممكنة، خاصة عندما يتعلق الأمر بموارد استراتيجية غير متجددة.
ويطالب هؤلاء بنشر تفاصيل الاتفاق بصورة كاملة، وإخضاعه لمراجعة فنية وقانونية مستقلة، بما يضمن تحقيق أعلى عائد اقتصادي للدولة والمجتمعات المحلية. (Dabanga Radio TV Online)
شرق السودان في قلب النقاش
أحد أبرز جوانب الجدل يتعلق بحقوق المجتمعات المحلية في ولاية البحر الأحمر.
فشرق السودان ظل لعقود من أكثر مناطق البلاد معاناة من ضعف التنمية والخدمات الأساسية رغم امتلاكه موارد طبيعية مهمة.
ولهذا يطالب ناشطون وقيادات أهلية بأن تتضمن أي اتفاقية تعدين كبرى التزامات واضحة تجاه المنطقة، تشمل:
- تطوير البنية التحتية.
- توفير فرص العمل.
- دعم الخدمات الصحية والتعليمية.
- حماية البيئة.
- تخصيص نسبة من العائدات للتنمية المحلية.
كما يطالب كثيرون بإجراء دراسات أثر بيئي واجتماعي مستقلة قبل الشروع في أي عمليات تعدين واسعة النطاق. (Dabanga Radio TV Online)
هل التوقيت مناسب؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأكثر حساسية.
فالسودان يعيش حرباً مستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات، ولا توجد مؤسسات تشريعية منتخبة أو آليات رقابة برلمانية قادرة على مراجعة العقود الاستراتيجية طويلة الأجل.
ويرى معارضون أن توقيع اتفاقيات تمتد لعقود في ظل هذه الظروف يثير تساؤلات حول الشرعية والرقابة والقدرة على ضمان مصالح الأجيال القادمة.
في المقابل، يجادل مؤيدو الاتفاق بأن تأجيل الاستثمار إلى ما بعد انتهاء الحرب قد يعني ضياع فرص اقتصادية مهمة تحتاجها البلاد بصورة عاجلة.
ما الذي يمكن أن يتعلمه السودان من تجارب الآخرين؟
تجارب التعدين حول العالم تقدم دروساً مهمة.
فبعض الدول نجحت في تحويل مواردها المعدنية إلى محرك للنمو والتنمية، بينما تحولت الموارد نفسها في دول أخرى إلى مصدر للصراعات والفساد والتوترات الاجتماعية.
وغالباً ما يرتبط الفرق بين التجربتين بعوامل مثل:
- الشفافية.
- قوة المؤسسات الرقابية.
- عدالة توزيع العائدات.
- حماية البيئة.
- إشراك المجتمعات المحلية.
ولهذا يرى خبراء أن نجاح أي مشروع نحاس في السودان لن يتوقف على حجم الاحتياطي أو قيمة الاستثمار فقط، بل على الطريقة التي تُدار بها العلاقة بين الدولة والمستثمر والمجتمع المحلي.
الخلاصة
بعيداً عن الجدل السياسي، تكشف صفقة النحاس عن سؤال أكبر يواجه السودان في المرحلة المقبلة:
كيف يمكن تحويل الثروات الطبيعية إلى أداة للتنمية الوطنية بدلاً من أن تصبح مجرد مصدر جديد للخلافات؟
فالعالم يتجه نحو طلب متزايد على النحاس والمعادن الاستراتيجية، والسودان يمتلك فرصاً حقيقية للاستفادة من هذا التحول.
لكن النجاح لن يُقاس بحجم الاستثمارات المعلنة فقط، بل بمدى قدرة الدولة على تحقيق توازن بين جذب المستثمرين، وحماية السيادة على الموارد، وضمان استفادة المواطنين من ثروات بلادهم.
وبينما يستمر الجدل حول تفاصيل الاتفاق، يبقى مطلب الشفافية ونشر المعلومات الدقيقة هو المدخل الأساسي لأي نقاش موضوعي حول واحدة من أهم الصفقات الاقتصادية التي أثيرت في السودان خلال العام الحالي.





















