دراسة جديدة تكشف مواقف السودانيين من الحرب والتسوية
محررو لقطة
www.lagtaai.com
9 يوليو 2026
في خضم الحرب المستمرة التي أعادت تشكيل حياة ملايين السودانيين، يبرز سؤال جوهري يتكرر في النقاشات السياسية والإعلامية: ماذا يريد السودانيون فعلاً؟ وهل لا تزال الحرب تحظى بأي سند شعبي، أم أن المجتمع بات أكثر ميلاً إلى البحث عن مخرج سلمي؟
دراسة حديثة واستطلاع رأي واسع النطاق أعدتهما مجموعة المناصرة من أجل السلام في السودان (نداء سلام السودان) يقدمان مؤشرات لافتة حول المزاج العام للسودانيين تجاه الحرب والسلام والعدالة ومستقبل الدولة. وشملت الدراسة 1667 مشاركاً من جميع ولايات السودان الثماني عشرة، إضافة إلى لاجئين سودانيين في دول الجوار والخليج، باستخدام عينة طبقية عشوائية وتحليل إحصائي للبيانات.
أكثر من 90% يريدون السلام
أبرز ما كشفته الدراسة أن الغالبية الساحقة من المشاركين تؤيد إنهاء الحرب عبر مسار سلمي.
فقد أظهرت النتائج أن نحو 92% من المشاركين يؤيدون السلام، بينما أبدى 74.3% تأييدهم لوقف فوري لإطلاق النار، كما أبدى أغلب المؤيدين للتسوية استعدادهم لدعم أي جهود تقود إلى إنهاء النزاع.
هذه الأرقام تحمل دلالة مهمة، لأنها تشير إلى أن السلام لم يعد مطلباً نخبوياً أو شعاراً سياسياً، بل أصبح مطلباً مجتمعياً واسعاً يرتبط مباشرة بحياة الناس اليومية.
الحرب من منظور المواطن
بعد أكثر من ثلاث سنوات من القتال، لم تعد الحرب بالنسبة لغالبية السودانيين قضية عسكرية أو سياسية فقط.
فالنزوح الواسع، وتراجع الخدمات، وانهيار مصادر الدخل، وتعطل التعليم والرعاية الصحية، كلها عوامل دفعت المواطنين إلى النظر للحرب باعتبارها أزمة تمس تفاصيل حياتهم اليومية.
ولهذا يبدو أن الأولوية لدى قطاعات واسعة من السودانيين لم تعد مرتبطة بمن ينتصر في الميدان، بقدر ما ترتبط بكيفية استعادة الاستقرار ووقف التدهور الإنساني والاقتصادي.
السلام لا يعني تجاهل العدالة
واحدة من أهم نتائج الدراسة أن الرغبة في السلام لا تعني القبول بتجاوز الانتهاكات أو إسقاط مبدأ المحاسبة.
فقد أظهرت النتائج أن نحو 90% من المشاركين يطالبون بالمحاسبة على الانتهاكات المرتبطة بالحرب، فيما فضّل جزء كبير منهم نماذج عدالة تجمع بين الآليات الوطنية والدولية.
وهذا يعكس وجود تصور متنامٍ لدى قطاعات واسعة من السودانيين بأن السلام المستدام لا ينفصل عن العدالة، وأن إنهاء الحرب لا يعني إغلاق ملفات الانتهاكات دون معالجة.
أزمة ثقة في تجارب الماضي
في المقابل، كشفت الدراسة عن تراجع الثقة في اتفاقيات السلام السابقة.
فبينما أبدى المشاركون تأييداً واسعاً للسلام، كانت مستويات الثقة في التجارب السابقة أقل بكثير، وهو ما يعكس شعوراً عاماً بأن العديد من التسويات التي أُبرمت خلال العقود الماضية لم تنجح في معالجة جذور الأزمة السودانية بصورة مستدامة.
وهنا تبرز مفارقة مهمة: فالسودانيون يريدون السلام، لكنهم يريدون أيضاً سلاماً مختلفاً عن التجارب التي لم تصمد طويلاً أو لم تحقق الاستقرار المنشود.
ماذا تعني هذه النتائج؟
لا يمكن اعتبار أي دراسة أو استطلاع رأي تعبيراً كاملاً عن جميع السودانيين، لكن هذه النتائج تقدم مؤشراً مهماً على اتجاهات المزاج العام في ظل ظروف الحرب.
فالرسالة الأبرز التي يمكن قراءتها من هذه الأرقام هي أن قطاعات واسعة من المجتمع أصبحت تنظر إلى استمرار الحرب باعتباره عبئاً يفوق أي مكاسب محتملة، وأن الرغبة في إنهاء النزاع باتت تتقدم على كثير من الاصطفافات السياسية والعسكرية.
كما تشير النتائج إلى أن السلام بالنسبة لكثير من السودانيين لم يعد مجرد هدف سياسي، بل أصبح شرطاً ضرورياً للحفاظ على وحدة الدولة واستعادة الحياة الطبيعية.
خاتمة لقطة
تكشف نتائج الدراسة أن الحرب، رغم ما أحدثته من انقسامات واستقطابات، لم تُضعف الرغبة الشعبية في السلام، بل ربما زادت من حضورها.
فكلما طالت سنوات القتال، ازدادت قناعة المواطنين بأن مستقبل السودان لا يمكن أن يُبنى على الحرب وحدها، وأن أي مشروع وطني قابل للحياة سيظل بحاجة إلى معادلة تجمع بين السلام والعدالة واستعادة مؤسسات الدولة.
لقطة …
عين ترصد الحدث والعقل يقرأ المشهد.



















