بقلم: مصطفى محمود
www.lagtaai.com
في الوقت الذي تنشغل فيه الإدارة الأمريكية بملفات دولية متشابكة تمتد من أوكرانيا إلى بحر الصين الجنوبي، يبرز السودان كواحد من أكثر الملفات تعقيداً في السياسة الخارجية الأمريكية خلال عام 2026. فالحرب التي دخلت عامها الرابع لم تعد مجرد نزاع داخلي بين أطراف سودانية متحاربة، بل تحولت إلى أزمة إقليمية تتقاطع فيها مصالح قوى دولية وإقليمية متعددة، الأمر الذي جعل أي مقاربة أمريكية للحل أشبه بالسير فوق حبل مشدود.
ورغم أن واشنطن تؤكد باستمرار دعمها لوقف الحرب وحماية المدنيين واستعادة المسار السياسي، إلا أن الواقع الميداني يكشف أن تحقيق هذه الأهداف يواجه تحديات تتجاوز حدود السودان نفسه. فكل خطوة أمريكية باتجاه أحد أطراف الأزمة أو أحد الفاعلين الإقليميين قد تُفسر على أنها انحياز سياسي أو محاولة لإعادة تشكيل موازين النفوذ في المنطقة.
السودان من أزمة داخلية إلى ملف إقليمي
عندما اندلعت الحرب في أبريل 2023، تعاملت العديد من العواصم الغربية معها باعتبارها صراعاً على السلطة داخل دولة تعاني هشاشة سياسية ومؤسسية. لكن مع مرور الوقت اتضح أن الأزمة أكثر تعقيداً من ذلك بكثير.
فالسودان يقع في نقطة جغرافية تربط شمال إفريقيا بالقرن الإفريقي والبحر الأحمر ومنطقة الساحل. كما أنه يجاور سبع دول تعاني معظمها تحديات أمنية أو سياسية أو اقتصادية. ولذلك فإن أي اضطراب طويل الأمد داخل السودان لا يبقى محصوراً داخل حدوده، بل يمتد تأثيره إلى محيطه الإقليمي بصورة مباشرة.
ومن هذا المنطلق بدأت دوائر التفكير الأمريكية تنظر إلى السودان باعتباره ملفاً استراتيجياً يرتبط بأمن البحر الأحمر، واستقرار القرن الإفريقي، وحركة التجارة العالمية، ومستقبل التوازنات الإقليمية في شرق إفريقيا.
معضلة الحلفاء المتنافسين
أحد أكبر التحديات التي تواجه واشنطن يتمثل في أن عدداً من شركائها وحلفائها الإقليميين يمتلكون رؤى مختلفة تجاه الأزمة السودانية.
فبينما تدعم بعض الدول مسارات سياسية معينة، تنظر دول أخرى إلى السودان من زاوية الأمن الإقليمي أو المصالح الاقتصادية أو التنافس الجيوسياسي. ونتيجة لذلك تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة إلى إدارة شبكة معقدة من العلاقات المتقاطعة دون خسارة شركائها الأساسيين.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية: فالإدارة الأمريكية لا تسعى فقط إلى وقف الحرب، بل تحاول أيضاً منع تحول السودان إلى ساحة صراع مفتوحة بين القوى الإقليمية والدولية.
البحر الأحمر في قلب الحسابات
قد يعتقد البعض أن اهتمام واشنطن بالسودان يرتبط فقط بالوضع الإنساني أو الاستقرار السياسي، لكن قراءة أعمق للمشهد تكشف أن البحر الأحمر يحتل موقعاً مركزياً في التفكير الاستراتيجي الأمريكي.
فهذا الممر البحري الحيوي يمثل أحد أهم شرايين التجارة العالمية، ويمر عبره جزء كبير من حركة الطاقة والتجارة بين آسيا وأوروبا. ولذلك فإن أي اضطراب طويل الأمد في الدول المطلة عليه يثير قلقاً متزايداً لدى القوى الدولية الكبرى.
وبالنسبة لواشنطن، فإن استمرار الفوضى في السودان قد يضيف عنصراً جديداً من عدم الاستقرار إلى منطقة تعاني أصلاً من تحديات أمنية متزايدة تمتد من باب المندب إلى القرن الإفريقي.
هل تكفي العقوبات؟
خلال السنوات الماضية اعتمدت الولايات المتحدة على مزيج من الضغوط الدبلوماسية والعقوبات الاقتصادية ضد أفراد وكيانات مرتبطة بالنزاع. غير أن نتائج هذه السياسة ظلت محدودة في التأثير على مسار الحرب.
ويرى بعض الباحثين أن العقوبات قد تنجح في زيادة الضغوط السياسية والاقتصادية، لكنها لا توفر بمفردها بديلاً سياسياً قادراً على إنهاء النزاع. كما أن استمرار تدفقات الموارد والسلاح عبر قنوات مختلفة يقلل من فاعلية الضغوط التقليدية.
لذلك يتزايد الحديث داخل بعض مراكز الأبحاث الأمريكية عن الحاجة إلى مقاربة أكثر شمولاً تجمع بين الضغوط السياسية والانخراط الدبلوماسي والتنسيق الإقليمي.
التحدي الأكبر: ما بعد الحرب
لا تقتصر المخاوف الأمريكية على كيفية إنهاء الحرب، بل تمتد إلى اليوم التالي لوقفها. فالسودان يواجه تحديات هائلة تتعلق بإعادة بناء المؤسسات، واستعادة الخدمات الأساسية، وإعادة دمج ملايين النازحين واللاجئين، وإصلاح الاقتصاد المنهك.
وتدرك واشنطن أن أي تسوية لا تعالج هذه الملفات قد تؤدي إلى عودة الصراع بأشكال مختلفة، حتى لو توقفت العمليات العسكرية مؤقتاً.
ولهذا السبب يتزايد الاهتمام داخل الأوساط البحثية الأمريكية بمسألة إعادة بناء الدولة السودانية، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من أي عملية سلام مستدامة.
خاتمة لقطة
تكشف الحرب السودانية أن النفوذ الدولي لا يعني بالضرورة القدرة على فرض الحلول. فكلما طال أمد الصراع، ازدادت شبكة المصالح والتعقيدات المحيطة به، وأصبح الوصول إلى تسوية شاملة أكثر صعوبة.
وبالنسبة لواشنطن، فإن التحدي لم يعد يقتصر على وقف القتال، بل يتمثل في إدارة توازن دقيق بين مصالح متعارضة وأطراف متعددة تتنافس على النفوذ في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.
ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع الولايات المتحدة بناء توافق إقليمي ودولي يدفع نحو تسوية حقيقية في السودان، أم أن الحرب دخلت مرحلة أصبحت فيها الوقائع الميدانية أسرع من الجهود الدبلوماسية؟
الإجابة عن هذا السؤال قد لا تحدد مستقبل السودان وحده، بل قد تكشف أيضاً شكل التوازنات الجديدة في البحر الأحمر والقرن الإفريقي خلال السنوات المقبلة.



















