بقلم: عبود النصيح
www.lagtaai.com
1 يوليو 2026
بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب في السودان، تبدو البلاد وكأنها تعيش داخل دوامة لا تنتهي من المعارك والتحركات السياسية والمبادرات المتعثرة. وبينما يتابع السودانيون يومياً أخبار الجبهات والبيانات العسكرية والتصريحات الدبلوماسية، يظل هناك سؤال أكثر أهمية من كل التفاصيل اليومية: ما الذي لا يُقال للسودانيين عن هذه الحرب؟
ربما تبدأ الإجابة من نقطة تبدو بديهية، لكنها كثيراً ما تضيع وسط ضجيج الأحداث. فالحرب السودانية لم تبدأ كصراع عقائدي أو أيديولوجي خالص، ولم تنفجر بسبب خلافات فكرية أو برامج سياسية متنافسة. في جوهرها، كانت حرباً على السلطة والثروة والنفوذ داخل الدولة السودانية.
لقد كانت معركة حول من يملك القرار، ومن يتحكم في الموارد، ومن يرسم شكل السلطة في مرحلة ما بعد التحولات السياسية التي شهدتها البلاد. وعندما انفجرت الأزمة في أبريل 2023، خرج هذا الصراع من دوائر التنافس السياسي والعسكري إلى مواجهة مفتوحة دفعت الدولة والمجتمع معاً إلى قلب العاصفة.
الحرب التي تغيّرت ملامحها
لكن ما لا يُقال للسودانيين بالقدر الكافي هو أن الحرب لم تبقَ أسيرة دوافعها الأولى.
فمع اتساع رقعة القتال وتزايد أعداد النازحين واللاجئين، وتراجع مؤسسات الدولة، وظهور أنماط جديدة من الاقتصاد الموازي، بدأت الحرب تنتج واقعاً مختلفاً عن ذلك الذي انطلقت منه.
لقد تطورت المواجهة تدريجياً من صراع على السيطرة على السلطة والثروة إلى صراع يرتبط بشكل السودان نفسه، وبطبيعة الدولة التي ستخرج من تحت أنقاض هذه الحرب، في ظل حسابات إقليمية ودولية بات تأثيرها يتجاوز في بعض جوانبه الاعتبارات الوطنية.
ولعل هذا هو أحد الأسباب التي تجعل كثيراً من المبادرات السياسية عاجزة عن تحقيق اختراق حقيقي؛ فهي تتعامل أحياناً مع أزمة بدأت بالأمس، بينما يتعامل الواقع مع أزمة تغيرت معالمها بصورة عميقة.
ما وراء المعارك
في ظاهر المشهد، تبدو الحرب معركة عسكرية تدور حول السيطرة على المدن والمواقع الاستراتيجية. لكن خلف هذه الصورة المباشرة توجد تحولات أخرى أقل ظهوراً وأكثر تأثيراً.
فالحرب أعادت رسم خرائط الاقتصاد المحلي، وغيرت أنماط الحركة السكانية، وأنتجت مراكز قوة جديدة، كما دفعت ملايين السودانيين إلى إعادة ترتيب حياتهم خارج الأطر التقليدية التي كانت قائمة قبل الحرب.
وفي الوقت نفسه، أصبح السودان جزءاً من معادلات إقليمية ودولية أكبر تتعلق بأمن البحر الأحمر، والموارد الاستراتيجية، والهجرة، والاستقرار الإقليمي.
وهنا تكمن إحدى الحقائق المهمة: فمستقبل الحرب لم يعد يُصنع فقط في الميدان، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بحسابات تتجاوز حدود السودان نفسه.
السؤال الذي لا يطرحه أحد
طوال السنوات الماضية انشغل الجميع تقريباً بسؤال واحد: من سينتصر في الحرب؟
لكن ربما يكون السؤال الأهم هو: ماذا سيحدث إذا توقفت الحرب غداً؟
من سيعيد بناء مؤسسات الدولة؟
من أين ستأتي الموارد اللازمة لإعادة الإعمار؟
وكيف يمكن معالجة الانقسامات الاجتماعية والاقتصادية التي خلفتها سنوات الصراع؟
هذه الأسئلة لا تحظى بالاهتمام نفسه الذي تحظى به أخبار المعارك اليومية، رغم أنها قد تكون أكثر أهمية من أي تطور ميداني عابر.
الخطر الذي يقترب بصمت
يميل كثيرون إلى الاعتقاد بأن الخطر الأكبر يتمثل في استمرار الحرب، وهذا صحيح لا يختلف عليه عاقل.
لكن هناك تحدياً آخر لا يقل أهمية عن وقف الحرب نفسها، ويتمثل في ضرورة ربط إنهاء القتال بمعالجة الأسباب العميقة التي قادت إلى اندلاعه في المقام الأول.
فلا خلاف على أن وقف الحرب يمثل أولوية إنسانية عاجلة لوقف نزيف الدم والمعاناة التي يعيشها ملايين السودانيين بسبب القتل والنزوح والجوع والمرض وانهيار الخدمات الأساسية. غير أن إنهاء القتال، على أهميته وضرورته، قد لا يكون كافياً وحده إذا لم يترافق مع معالجة الاختلالات والأزمات التي ساهمت في إشعال الصراع.
فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إسكات صوت السلاح، بل في بناء الأسس التي تمنع عودة أسباب الحرب مرة أخرى. ولهذا فإن مساري السلام ومعالجة جذور الأزمة يجب أن يسيرا جنباً إلى جنب، لأن أي تسوية تفصل بينهما قد تنجح في إيقاف القتال مؤقتاً، لكنها قد تعجز عن منع تكرار المأساة مستقبلاً.
ما الذي لا يُقال للسودانيين؟
ربما لا تكون الحقيقة التي لا يُقال للسودانيين هي أن الحرب مستمرة، فهذه حقيقة يراها ويعاني من آثارها الجميع كل يوم.
لكن الحقيقة الأكثر إزعاجاً هي أن الحرب التي بدأت صراعاً على السلطة والثروة والنفوذ لا تزال كذلك، غير أنها تطورت مع الوقت إلى أزمة تتشابك فيها مصالح إقليمية ودولية متعارضة، الأمر الذي جعل مستقبل السودان أكثر ارتباطاً بتوازنات معقدة تتجاوز حدود الميدان والدولة.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من ينتصر في الحرب؟
بل أصبح: هل يستطيع السودانيون استعادة زمام المبادرة وبناء مشروع وطني يضع مصالح الدولة فوق صراعات السلطة والنفوذ، أم أن مستقبل البلاد سيظل أسيراً لتوازنات تفرضها الحرب وتعيد تشكيلها المصالح المتنافسة من الداخل والخارج؟
ذلك، ربما، هو السؤال الذي سيحدد مستقبل السودان أكثر من أي معركة أو اتفاق سياسي في المرحلة المقبلة.



















