المحرر
www.lagtaai.com
2026/7/1
على أطراف مدينة كوستي بولاية النيل الأبيض، تتشكل واحدة من أكثر الصور قسوة للأزمة الإنسانية السودانية. آلاف النازحين الذين فروا من القتال في كردفان ودارفور ومناطق أخرى وجدوا أنفسهم في مواجهة معاناة جديدة لا تقل قسوة عن الحرب نفسها: العيش في العراء دون مأوى كافٍ أو غذاء مستقر أو خدمات صحية أساسية.
في مخيم “قوز السلام”، الذي أصبح أحد أكبر مراكز استقبال النازحين في الولاية، تتزايد أعداد الوافدين بصورة تفوق قدرات الاستجابة المحلية والإنسانية، بينما تظل مئات الأسر في انتظار خيام ومساعدات لم تصل بعد.
من الحرب إلى العراء
وصل معظم النازحين إلى كوستي بعد رحلات طويلة وشاقة استمرت أياماً وأحياناً أسابيع، هرباً من المعارك والحصار وانعدام الخدمات في مناطقهم الأصلية.
وتتحدث تقارير ميدانية عن أسر قطعت مئات الكيلومترات سيراً على الأقدام أو عبر طرق وعرة للوصول إلى مناطق أكثر أمناً، قبل أن تجد نفسها مضطرة للنوم في العراء تحت أشعة الشمس نهاراً وتقلبات الطقس ليلاً.
أزمة مأوى تتفاقم
بحسب إفادات من داخل المخيم، لا تزال أعداد كبيرة من الأسر تعيش دون خيام أو وسائل إيواء مناسبة، فيما يفترش كثيرون الأرض ويستخدمون الأغطية البسيطة أو المواد المتاحة لحماية أنفسهم من الظروف الجوية.
ومع استمرار تدفق النازحين من مناطق النزاع، تتزايد الضغوط على المخيمات والخدمات المحدودة أصلاً، الأمر الذي يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية خلال الأسابيع المقبلة.
الغذاء والدواء.. احتياجات تتجاوز الإمكانات
لا تقتصر الأزمة على المأوى فقط، إذ تواجه العديد من الأسر صعوبات في الحصول على الغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية.
وتشير تقارير محلية إلى وجود نقص في المساعدات مقارنة بحجم الاحتياجات المتزايدة، فيما تعتمد آلاف الأسر على المبادرات التطوعية والدعم المجتمعي لسد جزء من احتياجاتها اليومية.
كما برزت تحديات إضافية مرتبطة بالرعاية الصحية، خاصة للنساء الحوامل والأطفال وكبار السن، في ظل محدودية الإمكانات الطبية والازدحام داخل مراكز الاستقبال.
الأطفال يدفعون الثمن الأكبر
داخل المخيم، يبدو الأطفال الأكثر تأثراً بالأزمة. فإلى جانب فقدان الاستقرار والأمان، يواجه كثير منهم انقطاعاً عن التعليم ونقصاً في الخدمات الصحية والغذائية الأساسية.
وتحاول مجموعات تطوعية ومعلمون نازحون إنشاء فصول مؤقتة للحفاظ على الحد الأدنى من العملية التعليمية، لكن ضعف الإمكانات يحد من قدرتها على تلبية الاحتياجات المتزايدة.
موسم الأمطار يضاعف المخاوف
تزداد المخاوف مع اقتراب ذروة موسم الأمطار، حيث قد يؤدي هطول الأمطار الغزيرة إلى تدهور أوضاع الأسر التي لا تمتلك مأوى مناسباً، إضافة إلى ارتفاع مخاطر الأمراض المرتبطة بالمياه والبيئة المحيطة بالمخيمات.
ويرى عاملون في المجال الإنساني أن الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد قدرة المخيمات على استيعاب الأعداد المتزايدة من النازحين وتوفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية لهم.
أزمة تتجاوز كوستي
رغم أن مخيم قوز السلام يمثل نموذجاً واضحاً لمعاناة النازحين، فإن ما يحدث في كوستي يعكس واقعاً أوسع يعيشه ملايين السودانيين الذين دفعتهم الحرب إلى النزوح داخل البلاد.
وتؤكد الأمم المتحدة أن السودان يواجه واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم، مع استمرار تدفق المدنيين من مناطق القتال وازدياد الحاجة إلى الدعم الإنساني العاجل.
خاتمة
بين الحرب التي دفعتهم إلى الرحيل، والعراء الذي استقبلهم عند الوصول، يجد آلاف النازحين في كوستي أنفسهم عالقين في معركة جديدة من أجل البقاء. ومع استمرار تدفق الأسر الفارة من مناطق النزاع، تبدو الحاجة ملحة إلى استجابة إنسانية أكبر وأكثر سرعة، قبل أن تتحول أزمة المأوى والغذاء إلى كارثة إنسانية أوسع نطاقاً.
لقطة AI:
حين يفقد الإنسان بيته، لا يفقد جدراناً فقط، بل يفقد جزءاً من شعوره بالأمان والاستقرار. وفي كوستي، لا تزال آلاف الأسر تبحث عن ذلك الأمان تحت سماء مفتوحة لا تقي من حر النهار ولا من قسوة الليل.





















