بقلم: عبدالقادر العوض
www.lagtaai.com
عندما تبدأ الحروب، ينشغل الجميع بالمعارك والخسائر العسكرية والتحركات السياسية. لكن مع مرور الوقت تنشأ ظاهرة أكثر خطورة وأشد تعقيداً من القتال نفسه، وهي ما يسميه الباحثون بـ”اقتصاد الحرب”.
هذا المفهوم لا يشير فقط إلى الإنفاق العسكري أو تجارة السلاح، بل إلى شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والمالية التي تتشكل حول الصراع وتبدأ في الاستفادة من استمراره. ومع مرور السنوات، تتحول الحرب من حالة استثنائية إلى بيئة اقتصادية كاملة يعيش عليها أفراد وشبكات ومجموعات مختلفة.
وفي الحالة السودانية، أصبحت هذه الظاهرة تحظى باهتمام متزايد داخل مراكز الدراسات الدولية التي تحذر من أن الخطر الأكبر قد لا يكون استمرار القتال وحده، بل تحول الحرب نفسها إلى مصدر دخل ومصالح يصعب التخلي عنها.
كيف يولد اقتصاد الحرب؟
في الظروف الطبيعية تعتمد الاقتصادات على الإنتاج والاستثمار والتجارة والخدمات. أما أثناء الحروب، فتبدأ أنشطة جديدة في الظهور.
تنشأ شبكات للتهريب، وتتغير مسارات التجارة، وتظهر أسواق موازية للعملات والوقود والسلع الأساسية. كما تصبح السيطرة على الموارد الطبيعية والمنافذ التجارية والطرق الاستراتيجية مصدراً مهماً للنفوذ والتمويل.
ومع الوقت تتكيف بعض الفئات مع هذا الواقع الجديد، وتصبح مصالحها مرتبطة باستمراره أكثر من ارتباطها بعودة الاستقرار.
الذهب نموذجاً
يُعد الذهب أحد أبرز الأمثلة التي تتناولها الدراسات الدولية عند الحديث عن السودان.
ففي ظل تراجع قطاعات اقتصادية عديدة بسبب الحرب، ازدادت أهمية الذهب كمصدر للعملات الأجنبية والتمويل. كما أصبحت مناطق التعدين وطرق النقل والتصدير جزءاً من معادلة الصراع الاقتصادي.
ولا يتعلق الأمر بالذهب وحده، بل بكل الموارد التي يمكن أن تتحول إلى مصدر تمويل خارج الأطر الاقتصادية الرسمية.
شبكات التهريب والاقتصاد الموازي
كلما طال أمد النزاع، توسعت الأنشطة الاقتصادية غير الرسمية.
وتشمل هذه الأنشطة تهريب السلع والوقود والمعادن والعملات، إضافة إلى فرض الرسوم والإتاوات على الطرق والمعابر ومناطق النفوذ المختلفة.
وتكمن المشكلة في أن هذه الأنشطة لا تختفي تلقائياً عند توقف القتال، بل قد تستمر وتتحول إلى مراكز قوة اقتصادية تسعى للحفاظ على مكاسبها حتى بعد انتهاء الحرب.
لماذا يصبح السلام أكثر تعقيداً؟
أحد الاستنتاجات المهمة التي توصلت إليها دراسات عديدة هو أن بعض الأطراف لا تستفيد من الحرب فقط على المستوى العسكري أو السياسي، بل أيضاً على المستوى الاقتصادي.
ومع مرور الوقت، قد تظهر فئات ترى في استمرار الوضع القائم فرصة لتحقيق أرباح أو نفوذ أو سيطرة على موارد لم تكن متاحة لها في الظروف الطبيعية.
وهنا يصبح السلام أكثر تعقيداً، لأن إنهاء الحرب لا يعني فقط وقف إطلاق النار، بل يعني أيضاً تفكيك شبكة واسعة من المصالح التي تشكلت أثناء الصراع.
السودان ليس استثناءً
ما يحدث في السودان ليس ظاهرة فريدة. فقد شهدت دول عديدة في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية نماذج مشابهة، حيث استمرت النزاعات لفترات طويلة بسبب تشكل اقتصادات موازية مرتبطة بالحرب.
وفي كثير من الحالات، تبين أن إعادة بناء الاقتصاد الرسمي كانت من أصعب مراحل ما بعد النزاع، لأنها تتطلب استعادة السيطرة على الموارد والأسواق والمؤسسات التي تغيرت طبيعتها خلال سنوات الحرب.
التحدي القادم
إذا توقف القتال في السودان غداً، فإن أحد أكبر التحديات لن يكون إعادة إعمار المباني فقط، بل إعادة بناء الاقتصاد نفسه.
فالسؤال الحقيقي سيكون: كيف يمكن إعادة دمج الأنشطة الاقتصادية في مؤسسات الدولة؟ وكيف يمكن تحويل الموارد من أدوات للصراع إلى أدوات للتنمية؟ وكيف يمكن خلق بدائل اقتصادية مشروعة للفئات التي تكيفت مع اقتصاد الحرب؟
هذه الأسئلة قد تكون أكثر أهمية من كثير من القضايا العسكرية والسياسية المطروحة اليوم.
خاتمة لقطة
ربما تكمن إحدى أخطر نتائج الحرب السودانية في أنها لم تخلق خطوط مواجهة عسكرية فقط، بل أوجدت أيضاً شبكات مصالح اقتصادية جديدة نشأت وترعرعت في ظل الصراع. وكلما طال أمد الحرب، ازدادت قدرة هذه الشبكات على التكيف والاستمرار، حتى تصبح جزءاً من الواقع الاقتصادي القائم.
وحاضراً، لا تبدو المعركة الحقيقية مقتصرة على وقف إطلاق النار أو التوصل إلى اتفاق سياسي، بل تمتد إلى كيفية استعادة الاقتصاد الوطني من قبضة التشوهات التي فرضتها سنوات الحرب. أما مستقبلاً، فإن نجاح أي عملية سلام سيتوقف على قدرة الدولة على إعادة بناء المؤسسات الاقتصادية، وتجفيف مصادر اقتصاد الحرب، وخلق بيئة تنموية توفر بديلاً حقيقياً عن شبكات التهريب والاقتصاد الموازي.
فالتجارب الدولية تثبت أن الحروب لا تنتهي فعلياً عندما تصمت البنادق، بل عندما تتوقف المصالح التي تستفيد من استمرار الفوضى. ولهذا فإن التحدي الأكبر أمام السودان في مرحلة ما بعد الحرب قد لا يكون إعادة بناء ما دمرته المعارك، بل إعادة بناء اقتصاد قادر على حماية السلام نفسه.



















