في السياسة، لا تكمن أهمية التصريحات في كلماتها فقط، بل في توقيتها والسياق الذي تصدر فيه. ولذلك فإن إعلان قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان استعداده للعمل مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وفريقه من أجل إنهاء الحرب لا يمكن قراءته باعتباره مجرد تصريح دبلوماسي عابر، بل باعتباره رسالة سياسية متعددة الاتجاهات صدرت في لحظة كانت فيها المفاوضات الأمريكية متعثرة والعلاقة بين الخرطوم وبعض الوسطاء تمر بحالة من التوتر الواضح.
أولاً: لماذا يُعد التصريح مهماً؟
تكمن أهمية التصريح في أنه جاء بعد أشهر من الانتقادات التي وجهها البرهان للوساطة الرباعية وللمبعوثين الأمريكيين، حيث اعتبر سابقاً أن بعض الوسطاء لا يتعاملون بالحياد المطلوب مع أطراف الصراع. كما رفض الجيش أكثر من مقترح هدنة طُرح عبر الوساطة الأمريكية. ثم فجأة ظهر خطاب أكثر مرونة يتحدث عن الاستعداد للعمل مع واشنطن.
هذا التحول لا يعني بالضرورة تغييراً جذرياً في الموقف، لكنه يشير إلى إدراك متزايد داخل القيادة السودانية بأن الولايات المتحدة ستظل لاعباً أساسياً في أي تسوية سياسية أو ترتيبات ما بعد الحرب.
ثانياً: الرسالة الحقيقية ليست إلى ترامب فقط
من الخطأ الاعتقاد أن التصريح موجّه إلى واشنطن وحدها.
فالرسالة الأولى كانت إلى السعودية.
التقارير المرتبطة بالزيارة أوضحت أن البرهان كان يبحث مبادرة سعودية طُرحت على الإدارة الأمريكية بشأن السودان، ما يعني أن الرياض كانت تتحرك لتقريب وجهات النظر بين الخرطوم وواشنطن.
وبالتالي يمكن فهم التصريح باعتباره استجابة إيجابية للمسعى السعودي أكثر من كونه تحولاً مفاجئاً تجاه الولايات المتحدة.
أما الرسالة الثانية فكانت إلى المجتمع الدولي ومؤسسات التمويل الدولية، ومضمونها أن الجيش لا يرفض السلام من حيث المبدأ، وأنه مستعد للتعامل مع أي مبادرة يراها أكثر توازناً.
ثالثاً: هل غيّر الجيش موقفه فعلاً؟
الجواب الأقرب: لا.
ما تغيّر هو أسلوب إدارة الموقف وليس جوهره.
فالجيش السوداني ظل يكرر منذ بداية الحرب أنه يقبل أي عملية سياسية تحقق ثلاثة شروط أساسية:
- الحفاظ على وحدة الدولة.
- عدم منح الدعم السريع وضعاً سياسياً أو عسكرياً دائماً.
- ضمان ترتيبات أمنية واضحة قبل أي تسوية.
وبالتالي فإن إعلان الاستعداد للعمل مع ترامب لا يعني قبول كل المقترحات الأمريكية، وإنما يعني فتح باب التفاوض من جديد بشروط مختلفة.
رابعاً: ماذا تريد واشنطن؟
من خلال التصريحات الأمريكية في ذلك الوقت، بدا أن الإدارة الأمريكية كانت تركز على هدفين أساسيين:
- وقف إطلاق نار إنساني واسع.
- إعادة إطلاق عملية سياسية تؤدي إلى تسوية مستدامة.
المشكلة أن الطرفين السودانيين كانا ينظران إلى وقف إطلاق النار بطريقة مختلفة:
- الجيش كان يخشى أن يمنح أي تجميد للقتال فرصة لإعادة تموضع قوات الدعم السريع.
- الدعم السريع كان يرى في الهدنة فرصة لوقف الضغوط العسكرية المتزايدة عليه في بعض الجبهات.
لذلك تعثرت معظم المبادرات السابقة رغم الدعم الدولي الكبير لها.
خامساً: هل يستطيع ترامب فعلاً إنهاء الحرب؟
هذا هو السؤال الأهم.
الإجابة الواقعية أن أي رئيس أمريكي يستطيع زيادة الضغط على أطراف الحرب، لكنه لا يستطيع وحده فرض السلام.
الحرب السودانية أصبحت أكثر تعقيداً من مجرد نزاع بين طرفين.
هناك:
- أبعاد إقليمية.
- حسابات أمنية لدول الجوار.
- مصالح اقتصادية مرتبطة بالذهب والمعابر والموارد.
- توازنات قبلية ومحلية واسعة.
لذلك فإن أقصى ما يمكن أن تفعله واشنطن هو خلق بيئة ضغط تجعل استمرار الحرب أكثر تكلفة من التسوية.
أما قرار إنهاء الحرب نفسه فيبقى في النهاية قراراً سودانياً بالدرجة الأولى.
سادساً: ماذا يكشف التصريح عن مستقبل الصراع؟
القراءة الأعمق للتصريح تشير إلى أن جميع الأطراف بدأت تدرك أن الحرب دخلت مرحلة الاستنزاف الطويل.
فبعد سنوات من القتال:
- لم يحقق أي طرف حسمًا كاملاً.
- تعمقت الأزمة الإنسانية.
- تزايدت الضغوط الدولية.
- ارتفعت كلفة الحرب اقتصادياً وعسكرياً.
لهذا بدأت تظهر إشارات أكثر وضوحاً نحو البحث عن مخارج سياسية، حتى وإن كانت المواقف المعلنة لا تزال متشددة.
الخلاصة
لم يكن تصريح البرهان إعلاناً عن اقتراب السلام، ولم يكن أيضاً مجرد مجاملة دبلوماسية لواشنطن.
الأقرب إلى الواقع أنه كان اعترافاً سياسياً بأن الولايات المتحدة لا تزال رقماً صعباً في معادلة السودان، وأن أي تسوية مستقبلية ستحتاج إلى تفاهم إقليمي ودولي تشارك فيه واشنطن والرياض والقوى المؤثرة الأخرى.
لكن في المقابل، فإن التجارب السابقة تشير إلى أن المشكلة لم تكن يوماً في نقص المبادرات أو الوسطاء، بل في غياب التوافق بين الأطراف السودانية نفسها حول شكل الدولة وترتيبات ما بعد الحرب.
لقطة …
عين ترصد الحدث والعقل يقرأ المشهد



















