بقلم: عبدالقادر العوض
www.lagtaai.com
5 يوليو 2026
منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، برزت القوات المشتركة كأحد أهم الفاعلين العسكريين على الأرض، خاصة في إقليم دارفور وبعض الجبهات التي شهدت مواجهات عنيفة مع قوات الدعم السريع. وخلال فترة الحرب، ساهمت هذه القوات في دعم العمليات العسكرية وتغيير موازين القوى في بعض المناطق، الأمر الذي جعلها شريكاً ميدانياً مهماً ضمن المعسكر المناهض للدعم السريع.
لكن مع اتساع نفوذها العسكري وتزايد حضورها في بعض المدن والمناطق الواقعة تحت سيطرة الجيش، بدأت تبرز تساؤلات متزايدة حول التأثيرات الأمنية طويلة المدى لوجود قوى مسلحة متعددة داخل مناطق يفترض أنها تخضع لسلطة الدولة ومؤسساتها النظامية.
واقع فرضته ظروف الحرب
لا يمكن فهم دور القوات المشتركة بعيداً عن السياق الذي أفرزها. فالحرب أدت إلى انهيار أجزاء واسعة من المنظومة الأمنية التقليدية، ودفعت أطرافاً عديدة إلى البحث عن تحالفات عسكرية قادرة على سد الفراغ الميداني ومواجهة التهديدات المتزايدة.
وفي ظل هذه الظروف، اكتسبت القوات المشتركة مساحة واسعة للحركة والتجنيد والتسليح، كما توسع نفوذها في بعض المناطق التي أصبحت تعتمد على وجودها في توفير الحماية أو المشاركة في العمليات العسكرية.
لكن التاريخ السياسي والعسكري في المنطقة يوضح أن التشكيلات التي تنمو في ظروف الحرب لا تعود بسهولة إلى حجمها الطبيعي بعد انتهاء الصراع، وهو ما يجعل النقاش حول مستقبلها قضية تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة.
أين يكمن التهديد الأمني؟
لا يرتبط الحديث عن التهديد الأمني بالضرورة بوجود مواجهة مباشرة بين القوات المشتركة والجيش، بل يتعلق بطبيعة البيئة الأمنية التي تنشأ عندما تتعدد مراكز القوة المسلحة داخل المناطق الخاضعة لسيطرة الدولة.
ويحذر خبراء الأمن من عدة تحديات محتملة:
- تعدد مراكز اتخاذ القرار الأمني والعسكري.
- صعوبة فرض سيادة القانون بصورة موحدة.
- احتمال ظهور تنافس على الموارد والنفوذ المحلي.
- تعقيد عمليات إعادة بناء المؤسسات الأمنية الرسمية.
- زيادة احتمالات الاحتكاكات بين المجموعات المسلحة المختلفة.
وتزداد هذه المخاوف كلما طال أمد الحرب وازدادت قدرات التشكيلات المسلحة المستقلة من حيث العدد والتسليح والتمويل.
الدرس الإقليمي
تشير تجارب عدة دول في إفريقيا والشرق الأوسط إلى أن أخطر ما يواجه الدول الخارجة من النزاعات هو استمرار وجود قوات مسلحة متعددة خارج إطار المؤسسة العسكرية الوطنية الموحدة.
ففي كثير من الحالات، لم تبدأ الأزمات الجديدة أثناء الحرب، بل بعد توقفها، عندما تحولت القوى العسكرية التي نشأت خلال النزاع إلى مراكز نفوذ سياسي وأمني مستقلة عن الدولة.
ولهذا السبب، تعتبر برامج الدمج وإعادة الهيكلة ونزع السلاح من أهم عناصر أي تسوية سياسية مستدامة.
هل يمثل الأمر تهديداً حالياً؟
حتى الآن، لا توجد مؤشرات معلنة على وجود مواجهة مباشرة بين الجيش والقوات المشتركة داخل المناطق الخاضعة لسيطرته. كما أن الطرفين يواصلان العمل ضمن مساحات تنسيق عسكرية مرتبطة بظروف الحرب الحالية.
لكن الخبراء يلفتون إلى أن الخطر لا يقاس فقط بالواقع الحالي، بل أيضاً بالسيناريوهات المستقبلية التي قد تنشأ إذا لم تتم معالجة ملف التشكيلات المسلحة ضمن رؤية وطنية شاملة بعد انتهاء الحرب.
فكلما تأخر حسم ملف السلاح والقيادة والهيكلة، زادت احتمالات ظهور تحديات أمنية جديدة يصعب احتواؤها لاحقاً.
معضلة ما بعد الحرب
السؤال الأكثر حساسية لا يتعلق بما إذا كانت القوات المشتركة تمثل تهديداً الآن، بل بما إذا كانت الدولة السودانية ستكون قادرة مستقبلاً على استيعاب جميع القوى المسلحة داخل منظومة أمنية وطنية موحدة.
فنجاح أي عملية انتقالية يتطلب:
- احتكار الدولة لاستخدام القوة المسلحة.
- بناء مؤسسة عسكرية قومية موحدة.
- تنفيذ برامج دمج وإعادة تأهيل واضحة.
- منع ظهور جيوش أو تشكيلات موازية.
- ضمان خضوع جميع القوى المسلحة لسلطة القانون والمؤسسات الدستورية.
الخلاصة
أفرزت الحرب السودانية واقعاً أمنياً معقداً جعل من القوات المشتركة لاعباً مؤثراً في عدد من الجبهات والمناطق. لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في دورها خلال الحرب فقط، بل في كيفية إدارة هذا الدور خلال مرحلة ما بعد الحرب.
فالدول لا تُبنى على تعدد الجيوش ومراكز القوة، بل على مؤسسات وطنية موحدة قادرة على حماية الأمن والاستقرار وفرض القانون على الجميع دون استثناء.
لقطة …
التحدي الأكبر أمام السودان لن يكون فقط إنهاء الحرب، بل بناء دولة لا يحتاج أمنها إلى تعدد البنادق، بل إلى مؤسسة وطنية واحدة تحتكر القوة وتخضع للقانون. وهناك تبدأ معركة الاستقرار الحقيقية.
عين ترصد الحدث والعقل يقرأ المشهد.



















