بقلم: مصطفى محمود
www.lagtaai.com
10 يوليو 2026
في تطور سياسي يُعد من أبرز التحولات في مسار الحرب السودانية منذ اندلاعها في أبريل 2023، كشفت وثائق حديثة عن موافقة الجيش السوداني على معظم بنود المبادرة الأمريكية المطروحة لوقف النزاع، مع تمسكه بشرط أساسي يتمثل في انسحاب قوات الدعم السريع من جميع المدن والمراكز الحضرية التي تسيطر عليها.
ورغم أن المبادرة لم تتحول بعد إلى اتفاق نهائي، فإن مجرد قبول غالبية بنودها يطرح تساؤلات مهمة حول ما إذا كانت الحرب تدخل بالفعل مرحلة مختلفة، أم أن الأمر لا يزال مجرد خطوة أولية في طريق طويل ومعقد نحو التسوية.
تحول لافت في الخطاب السياسي
خلال السنوات الماضية، اتسمت مواقف الأطراف المتحاربة بقدر كبير من التشدد، مع تمسك كل طرف بأهدافه العسكرية والسياسية، ورفض أي ترتيبات يمكن أن تُفسر باعتبارها تنازلاً للطرف الآخر.
لكن الوثائق الأخيرة تشير إلى وجود درجة من المرونة السياسية لم تكن ظاهرة بهذا الوضوح من قبل، حيث أبدى الجيش استعداداً للتعامل مع إطار تفاوضي واسع يشمل هدنة إنسانية وترتيبات سياسية وأمنية مستقبلية، مع التركيز على قضية الانسحاب من المدن باعتبارها النقطة المركزية في أي اتفاق محتمل.
هذا التحول لا يعني بالضرورة تغيراً في الأهداف الاستراتيجية للجيش، لكنه يعكس إدراكاً متزايداً بأن الحرب لم تعد تُقاس فقط بالمكاسب العسكرية، بل أيضاً بكلفتها السياسية والاقتصادية والإنسانية.
لماذا يركز الجيش على الانسحاب من المدن؟
يعتبر الجيش أن السيطرة على المدن تمثل جوهر الصراع الحالي، لأن المراكز الحضرية ليست مجرد مواقع جغرافية، بل مراكز سلطة وإدارة واقتصاد.
ومن هذا المنطلق، يرى أن أي اتفاق لا يتضمن انسحاب قوات الدعم السريع من المدن سيؤدي عملياً إلى تكريس واقع ميداني جديد قد يصعب تغييره لاحقاً.
كما أن وجود القوات داخل المناطق السكنية يخلق تعقيدات عسكرية وإنسانية كبيرة، ويجعل أي ترتيبات أمنية مستقبلية أكثر صعوبة وتعقيداً.
لهذا السبب، يبدو شرط الانسحاب بالنسبة للجيش ليس مجرد مطلب تفاوضي، بل شرطاً تأسيسياً لأي عملية سياسية قادمة.
التحدي الأكبر: موقف الدعم السريع
في المقابل، تطرح هذه التطورات سؤالاً جوهرياً يتعلق بموقف قوات الدعم السريع.
فالانسحاب من المدن لا يعني فقط إعادة انتشار عسكري، بل قد يُنظر إليه باعتباره تنازلاً عن أهم المكاسب التي تحققت خلال سنوات الحرب.
ومن هنا، فإن نجاح المبادرة الأمريكية سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الوسطاء على تقديم صيغة توازن بين متطلبات الجيش ومخاوف الدعم السريع، بما يضمن عدم انهيار العملية السياسية قبل بدايتها.
كما أن أي ترتيبات مستقبلية ستحتاج إلى ضمانات واضحة بشأن الأمن والتمثيل السياسي ومستقبل القوات والترتيبات الانتقالية.
هل تغيرت حسابات الحرب؟
من الصعب الحديث عن حسم عسكري لأي طرف في المرحلة الحالية، لكن المؤكد أن الحرب دخلت مرحلة استنزاف طويلة أثرت على الجميع.
فالاقتصاد السوداني تعرض لخسائر كبيرة، والبنية التحتية تضررت على نطاق واسع، كما تفاقمت الأزمة الإنسانية بصورة غير مسبوقة.
وفي الوقت نفسه، يواجه الطرفان ضغوطاً متزايدة من المجتمع الدولي والقوى الإقليمية التي باتت تنظر إلى استمرار الحرب باعتباره تهديداً لاستقرار المنطقة بأكملها.
هذه المعطيات لا تعني انتهاء الصراع، لكنها تشير إلى أن البيئة السياسية المحيطة به بدأت تتغير تدريجياً.
ماذا تريد واشنطن؟
تسعى الولايات المتحدة، من خلال المبادرة الجديدة، إلى الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى محاولة بناء مسار سياسي أكثر استدامة.
وتتضمن المبادرة هدنة إنسانية لمدة 90 يوماً، وفتح ممرات للمساعدات، وآليات لمراقبة الالتزام، إلى جانب إطلاق مفاوضات حول وقف دائم لإطلاق النار والترتيبات الأمنية والسياسية المستقبلية.
لكن نجاح هذه الجهود سيظل مرتبطاً بمدى قدرة واشنطن وشركائها الإقليميين والدوليين على توفير الضمانات والضغوط اللازمة لدفع الأطراف نحو الالتزام بما يتم الاتفاق عليه.
هل تدخل الحرب مرحلة مختلفة؟
ربما يكون من المبكر الحديث عن اقتراب نهاية الحرب، لكن من الواضح أن المشهد يشهد تحولاً يستحق المتابعة.
فبعد سنوات من التركيز على المعارك والتحركات العسكرية، بدأت الملفات السياسية تعود تدريجياً إلى واجهة المشهد، مدفوعة بحجم الخسائر الإنسانية والاقتصادية وتزايد الضغوط الدولية.
وقد لا تكون المبادرة الأمريكية هي الحل النهائي، لكنها قد تمثل بداية مرحلة جديدة يصبح فيها التفاوض جزءاً أساسياً من الصراع، بالتوازي مع استمرار التعقيدات الميدانية.
الخلاصة
تكشف الوثائق الأخيرة عن تحول مهم في طريقة التعاطي مع الأزمة السودانية، ليس لأنها تقدم حلاً جاهزاً، بل لأنها تعكس تغيراً في طبيعة النقاش حول الحرب نفسها.
فالسؤال لم يعد يقتصر على من يسيطر على الأرض، بل بدأ يمتد إلى كيفية إنهاء الصراع وإدارة المرحلة التي تليه.
وبين الضغوط الدولية، وحسابات الميدان، وتعقيدات السياسة، يبقى مستقبل المبادرة الأمريكية مرهوناً بقدرة الأطراف على الانتقال من منطق الحرب المفتوحة إلى منطق التسوية الممكنة.
لقطة …
عين ترصد الحدث والعقل يقرأ المشهد.





















