عبود النصيح
www.lagtaai.com
11 يوليو 2026
في الوقت الذي يتسارع فيه سباق الذكاء الاصطناعي بوتيرة غير مسبوقة، يزداد القلق العالمي من اتساع الفجوة الرقمية بين الدول المتقدمة والدول النامية. وبينما تستثمر الاقتصادات الكبرى مئات المليارات من الدولارات في تطوير النماذج الذكية والبنية التحتية الرقمية، لا تزال أجزاء واسعة من العالم تكافح من أجل توفير الإنترنت المستقر والكهرباء والخدمات الرقمية الأساسية.
في هذا السياق برزت مبادرة “AI for Good” بوصفها محاولة دولية لتوجيه قدرات الذكاء الاصطناعي نحو خدمة التنمية البشرية وتقليص الفوارق التقنية بين الشمال والجنوب. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل تستطيع هذه المبادرة بالفعل إحداث تحول حقيقي، أم أنها ستظل إطاراً نظرياً طموحاً يصطدم بواقع أكثر تعقيداً؟
فجوة لا تتعلق بالتكنولوجيا فقط
عندما يُنظر إلى الفجوة الرقمية غالباً ما يتم التركيز على نقص الأجهزة أو ضعف الاتصال بالإنترنت، لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك بكثير. فالفجوة الحقيقية تشمل القدرة على إنتاج المعرفة الرقمية، وتطوير البرمجيات، وإدارة البيانات، وبناء الكفاءات البشرية القادرة على المنافسة في الاقتصاد الرقمي العالمي.
اليوم تتركز معظم مراكز الذكاء الاصطناعي الكبرى في الولايات المتحدة والصين وأوروبا، بينما تظل غالبية دول أفريقيا وأجزاء واسعة من آسيا وأمريكا اللاتينية مستهلكة للتكنولوجيا أكثر من كونها منتجة لها. وهذا يعني أن المشكلة ليست فقط في الوصول إلى التقنية، بل في القدرة على امتلاكها وتطويرها والتحكم في مساراتها المستقبلية.
ما الذي يمكن أن تقدمه المبادرة؟
إذا نجحت مبادرة “AI for Good” في ترجمة أهدافها إلى مشاريع عملية، فإنها قد تساهم في عدة مجالات حيوية.
أولاً، يمكن أن تدعم بناء القدرات البشرية من خلال برامج التدريب والتعليم الرقمي، وهو ما يمثل حجر الأساس لأي تحول تكنولوجي مستدام.
ثانياً، قد توفر للدول النامية إمكانية الوصول إلى أدوات وتقنيات كانت حكراً على المؤسسات الكبرى، مما يسمح بتطوير حلول محلية في مجالات الزراعة والصحة والتعليم وإدارة الموارد.
ثالثاً، يمكن أن تساعد على تعزيز التعاون الدولي ونقل المعرفة بدلاً من احتكارها داخل عدد محدود من الدول والشركات العملاقة.
التحدي الأكبر: البنية التحتية
لكن نجاح أي مبادرة عالمية سيظل مرتبطاً بواقع البنية التحتية في الدول المستهدفة. فمن الصعب الحديث عن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في مناطق تعاني من انقطاع الكهرباء أو ضعف شبكات الاتصالات أو محدودية الوصول إلى الإنترنت.
وفي العديد من الدول التي تشهد نزاعات أو أزمات اقتصادية، لا تزال الأولويات الأساسية تتمثل في الأمن الغذائي والخدمات الصحية والتعليم الأساسي، وهو ما يجعل التحول الرقمي تحدياً إضافياً وليس بديلاً عن تلك الاحتياجات.
خطر “الاستعمار الرقمي”
هناك أيضاً مخاوف متزايدة من أن تتحول بعض المبادرات التقنية العالمية إلى شكل جديد من أشكال الهيمنة الرقمية، حيث يتم تصدير التكنولوجيا والأنظمة والبيانات من الشمال إلى الجنوب دون بناء قدرات محلية حقيقية.
ويحذر عدد من الباحثين من أن الدول النامية قد تجد نفسها مستقبلاً معتمدة على منصات أجنبية لإدارة بياناتها وخدماتها الحيوية، بما يحد من استقلالها الرقمي ويجعلها أكثر عرضة للتبعية التقنية.
ماذا عن أفريقيا؟
تمثل أفريقيا حالة خاصة في هذا النقاش. فالقارة تضم واحدة من أصغر الفئات العمرية في العالم وأكثرها نمواً، ما يمنحها فرصة تاريخية للاستفادة من التحول الرقمي إذا توافرت الاستثمارات المناسبة.
لكن في المقابل، تواجه القارة تحديات كبيرة تتعلق بالبنية التحتية والتعليم والتمويل. ولذلك فإن أي مبادرة تهدف إلى تقليص الفجوة الرقمية لن تنجح ما لم تتعامل مع هذه التحديات بصورة مباشرة ومستدامة.
السودان نموذجاً
في حالة السودان، تبدو المسافة بين الإمكانات والواقع كبيرة للغاية. فالبلاد تمتلك طاقات بشرية وكفاءات تقنية أثبتت حضورها في مختلف أنحاء العالم، لكنها تواجه في الوقت نفسه آثار الحرب وتدهور البنية التحتية وانكماش الاقتصاد.
ومع ذلك، فإن التجارب السودانية خلال السنوات الأخيرة أظهرت قدرة لافتة على التكيف الرقمي، سواء في مجالات التعليم عن بُعد أو الخدمات المالية أو الإعلام الرقمي. وهذا يعني أن الاستثمار في البنية الرقمية قد يصبح أحد أهم مفاتيح إعادة البناء مستقبلاً.
بين الطموح والواقع
في النهاية، لا يمكن لمبادرة “AI for Good” وحدها أن تقضي على الفجوة الرقمية العالمية. فالمشكلة أعمق من مجرد توفير أدوات تقنية أو إطلاق برامج تدريبية. إنها ترتبط بالتنمية الاقتصادية والتعليم والاستقرار السياسي والاستثمار طويل الأجل.
لكن رغم ذلك، فإن المبادرة تمثل فرصة مهمة إذا انتقلت من مرحلة الشعارات إلى مرحلة التنفيذ العملي، وإذا نجحت في تمكين الدول النامية من إنتاج التكنولوجيا لا استهلاكها فقط.
خاتمة لقطة
قد لا يكون السؤال الأهم اليوم هو ما إذا كانت الدول النامية ستستخدم الذكاء الاصطناعي، بل ما إذا كانت ستشارك في صناعته وتحديد قواعده. فالتجارب العالمية تشير إلى أن الدول التي تتأخر في بناء قدراتها الرقمية لا تفقد فقط فرص النمو الاقتصادي، بل تخسر أيضاً جزءاً من قدرتها على التأثير في مستقبلها السياسي والتنموي.
بالنسبة للسودان والعديد من دول الجنوب، فإن الاستثمار في التعليم الرقمي والبنية التحتية والبحث العلمي لم يعد ترفاً أو خياراً مؤجلاً، بل أصبح جزءاً من معركة التنمية وإعادة البناء. وإذا نجحت المبادرات الدولية مثل “AI for Good” في نقل المعرفة وبناء القدرات المحلية بدلاً من الاكتفاء بتصدير التكنولوجيا، فقد تشكل خطوة مهمة نحو تقليص الفجوة الرقمية العالمية.
أما إذا بقيت هذه المبادرات محصورة في المؤتمرات والبيانات والتعهدات العامة، فإن العالم قد يتجه نحو واقع أكثر انقساماً، حيث تحتكر قلة من الدول إنتاج المعرفة والتكنولوجيا، بينما تظل بقية الدول في موقع المستهلك والمتلقي.
ويبقى الرهان الحقيقي على قدرة دول الجنوب نفسها على تحويل الفرصة الرقمية إلى مشروع تنموي طويل الأمد، لأن مستقبل الذكاء الاصطناعي لن يُحدد فقط بمن يملك التقنية، بل بمن يملك القدرة على توظيفها لخدمة الإنسان والتنمية والعدالة الرقمية.
لقطة …
عين ترصد الحدث والعقل يقرأ المشهد





















