سؤال يفرض نفسه مع اتساع الحرب وتعدد مراكز النفوذ
بقلم: مصطفى محمود
www.lagtaai.com
منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، ظل سؤال واحد يتردد في الأوساط السياسية ومراكز الدراسات الإقليمية والدولية: هل يمكن أن ينتهي السودان إلى نموذج مشابه لما حدث في ليبيا؟
في السنوات الأولى للحرب كان هذا السؤال يبدو أقرب إلى التحذير النظري منه إلى الاحتمال الواقعي. لكن مع دخول الصراع عامه الرابع، وتعقد المشهد العسكري والسياسي، وظهور خرائط نفوذ متغيرة على الأرض، بدأ الحديث عن “الحالة الليبية” يخرج من دائرة التكهنات إلى دائرة النقاش الجاد حول مستقبل الدولة السودانية.
ومع ذلك، فإن السؤال الأكثر دقة ليس ما إذا كان السودان سيصبح نسخة من ليبيا، بل إلى أي مدى يمكن أن يقترب من بعض خصائص التجربة الليبية إذا استمرت الحرب دون تسوية سياسية أو حسم عسكري نهائي.
هذا السؤال لا يتعلق بالمقارنة بين بلدين فقط، بل يتعلق بمصير الدولة السودانية نفسها، وبالكيفية التي يمكن أن تعيد بها الحروب الطويلة تشكيل مراكز القوة والنفوذ والسلطة داخل المجتمعات.
ما المقصود بالحالة الليبية؟
عندما يتحدث الباحثون عن “النموذج الليبي”، فإنهم لا يقصدون بالضرورة تقسيم الدولة أو اختفاءها من الخريطة.
فليبيا بقيت دولة واحدة من الناحية القانونية والدبلوماسية، واحتفظت بعضويتها في المؤسسات الدولية، لكنها شهدت على الأرض واقعاً مختلفاً.
ظهرت حكومات متعددة.
وتشكلت جيوش وقوات مسلحة متنافسة.
وتوزعت مناطق النفوذ بين قوى مختلفة.
وتداخلت الأجندات الإقليمية والدولية بصورة عميقة في الصراع الداخلي.
وبمرور الوقت لم تعد القضية من يحكم ليبيا كلها، بل من يسيطر على هذا الإقليم أو ذاك، ومن يملك الموارد والمنافذ الاستراتيجية ومصادر التمويل.
وهكذا تحولت الحرب من معركة للحسم إلى حالة طويلة من التوازنات الهشة بين مراكز قوة متعددة.
وهنا تحديداً يبدأ القلق السوداني.
لماذا يُطرح هذا السؤال في السودان؟
لأن عدداً من المؤشرات التي سبقت أو صاحبت الأزمة الليبية بدأت تظهر بدرجات متفاوتة داخل المشهد السوداني.
أول هذه المؤشرات هو طول أمد الحرب.
فالحروب القصيرة تختلف جذرياً عن الحروب الممتدة.
كلما طال أمد الصراع، تراجعت فرص العودة السريعة إلى الوضع الطبيعي، وبدأت تظهر ترتيبات جديدة تتكيف مع استمرار الحرب.
المؤشر الثاني هو اتساع الجغرافيا.
فالسودان من أكبر الدول الأفريقية مساحة، ويضم أقاليم مترامية الأطراف تختلف في ظروفها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية.
وفي مثل هذه البيئات يصبح الحفاظ على السيطرة المركزية الكاملة أكثر صعوبة مع استمرار القتال.
أما المؤشر الثالث فهو التداخل الإقليمي.
فالحروب الطويلة نادراً ما تبقى شأناً داخلياً خالصاً. ومع مرور الوقت تتقاطع مصالح دول الجوار والقوى الإقليمية مع مسار الصراع، ما يزيد من تعقيد فرص التسوية ويمنح بعض الأطراف مصادر دعم إضافية.
مناطق النفوذ… البداية التي لا يلاحظها أحد
في أغلب النزاعات الممتدة لا يحدث الانقسام الكبير دفعة واحدة.
بل يبدأ بصورة تدريجية وصامتة.
في البداية تظهر مناطق تخضع لسيطرة أطراف مختلفة بحكم الضرورات العسكرية.
ثم تتطور هذه السيطرة إلى أنماط إدارة محلية.
ثم تبدأ شبكات اقتصادية وخدمية وأمنية في التشكل داخل هذه المناطق.
وبمرور الوقت تصبح هناك حقائق جديدة على الأرض.
لا يعود السؤال من يسيطر عسكرياً فقط، بل:
من يدير الأسواق؟
من يوفر الخدمات؟
من يجمع الإيرادات؟
من يفرض القوانين؟
ومن يتحكم في حركة التجارة والموارد؟
عندما تصل النزاعات إلى هذه المرحلة تبدأ مراكز النفوذ في اكتساب قدر من الاستقلال العملي عن المركز، حتى لو لم تعلن ذلك سياسياً.
وهذا ما يجعل الحروب الطويلة خطراً على بنية الدولة نفسها، لا على استقرارها الأمني فقط.
اقتصاد الحرب… المؤسسة غير المرئية
من أكثر الظواهر التي تقلق الباحثين في النزاعات الممتدة ما يعرف باقتصاد الحرب.
فمع مرور الوقت تنشأ مصالح اقتصادية مرتبطة باستمرار الصراع.
تظهر شبكات تجارية جديدة.
وتنشأ مسارات مختلفة لنقل السلع والموارد.
وتزدهر أنشطة التهريب والأسواق الموازية.
وتنشأ طبقات مستفيدة من استمرار الوضع القائم.
وهنا تصبح الحرب أكثر من مجرد مواجهة عسكرية.
تتحول إلى بيئة اقتصادية كاملة يعيش عليها آلاف الأشخاص بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وفي هذه الحالة لا تصبح مشكلة الحرب في استمرار القتال فقط، بل في ظهور مصالح مرتبطة باستمرار القتال.
وهذا أحد أهم الدروس التي قدمتها ليبيا خلال سنوات الصراع الطويلة.
هل بدأت ملامح ذلك في السودان؟
الإجابة ليست بسيطة.
فالسودان لا يزال يمتلك مؤسسات دولة قائمة، ولا يزال يحتفظ بقدر من الترابط الاقتصادي والإداري بين أقاليمه المختلفة.
لكن في الوقت نفسه لا يمكن تجاهل التحولات التي فرضتها الحرب.
فبعض المناطق أصبحت تعتمد على ترتيبات اقتصادية وأمنية مختلفة عن تلك التي كانت سائدة قبل الحرب.
كما أن مسارات التجارة والنقل والإمداد تغيرت بصورة ملحوظة.
وظهرت أنماط جديدة من النشاط الاقتصادي المرتبط بظروف الحرب.
وهذه ليست بالضرورة مؤشرات على انهيار الدولة، لكنها مؤشرات تستحق المتابعة لأنها تعكس طبيعة التحولات التي تصاحب النزاعات الطويلة.
لماذا لا يزال السودان مختلفاً عن ليبيا؟
رغم أوجه التشابه الجزئية، فإن هناك فروقاً مهمة تجعل من الخطأ التعامل مع التجربتين باعتبارهما نسخة واحدة.
أهم هذه الفروق هو وجود مؤسسة عسكرية مركزية ما زالت تعمل باعتبارها العمود الفقري للدولة السودانية.
كما أن السودان يمتلك إرثاً طويلاً من الإدارة المركزية والخدمة المدنية والمؤسسات الحكومية التي ما زالت تؤدي أدواراً متفاوتة رغم ظروف الحرب.
إضافة إلى ذلك، فإن البنية الاجتماعية والسياسية السودانية تختلف عن الحالة الليبية في جوانب عديدة تتعلق بطبيعة الدولة وتاريخها ومؤسساتها.
ولهذا فإن الحديث عن تكرار النموذج الليبي حرفياً يبدو مبالغاً فيه.
لكن الحديث عن إمكانية ظهور بعض خصائصه يظل مطروحاً بقوة.
الخطر الحقيقي ليس الانقسام
من الأخطاء الشائعة أن يتم اختزال المخاوف كلها في فكرة التقسيم الرسمي.
فالتاريخ الحديث يبين أن الدول لا تتفكك دائماً عبر إعلان الانفصال أو التقسيم.
أحياناً تبقى الدولة موحدة على الورق، بينما تتوزع السلطة الفعلية والنفوذ الاقتصادي ومصادر القوة بين أطراف متعددة.
وفي هذه الحالة تصبح إعادة بناء الدولة أكثر صعوبة من مجرد إنهاء القتال.
لأن المشكلة لا تكون في الحرب وحدها، بل في الواقع الجديد الذي أنتجته الحرب.
ماذا يحدث إذا استمرت الحرب؟
كل سنة إضافية من الصراع لا تعني فقط مزيداً من الخسائر البشرية والاقتصادية.
بل تعني أيضاً مزيداً من الوقت لترسخ الوقائع الجديدة على الأرض.
مزيداً من التكيف مع اقتصاد الحرب.
مزيداً من اعتماد المناطق المختلفة على ترتيباتها الخاصة.
ومزيداً من تعقيد عملية إعادة توحيد المؤسسات مستقبلاً.
ولهذا يرى كثير من الباحثين أن أخطر ما في الحروب الطويلة ليس عدد سنواتها، بل التحولات البنيوية التي تحدثها داخل الدولة والمجتمع.
السودان بين ثلاثة مسارات
إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فإن السودان يبدو أمام ثلاثة مسارات رئيسية.
الأول يتمثل في نجاح أحد الأطراف في فرض معادلة تسمح بإعادة توحيد مؤسسات الدولة تحت سلطة مركزية واحدة.
والثاني يتمثل في الوصول إلى تسوية سياسية شاملة تضع حداً للحرب وتفتح الباب أمام إعادة بناء الدولة بصورة تدريجية.
أما الثالث، وهو الأكثر تعقيداً، فيتمثل في استمرار الحرب لفترة أطول بما يسمح بترسخ مناطق النفوذ واقتصاد الحرب وتعدد مراكز القوة.
وعند هذه النقطة تحديداً تبدأ بعض خصائص الحالة الليبية في الظهور بصورة أوضح.
خاتمة لقطة
السودان ليس ليبيا، والتاريخ لا يعيد نفسه بالطريقة ذاتها في كل مرة.
لكن الحروب الطويلة تنتج أنماطاً متشابهة من الأزمات، مهما اختلفت الجغرافيا والأسماء.
ولهذا فإن السؤال المطروح اليوم لا يتعلق بما إذا كان السودان سيتحول إلى نسخة أخرى من ليبيا، بل بما إذا كانت الحرب ستستمر بالقدر الذي يسمح بظهور الخصائص نفسها التي جعلت استعادة الدولة الليبية مهمة شديدة التعقيد.
فكلما طال أمد الحرب، لم يعد الخطر محصوراً في الخسائر المباشرة، بل امتد إلى شكل الدولة نفسها ومستقبلها وقدرتها على استعادة وحدتها المؤسسية بعد توقف القتال.
وهذا هو التحدي الأكبر الذي يواجه السودان اليوم، وربما في السنوات المقبلة أيضاً.
لقطة …
عين ترصد الحدث والعقل يقرأ المشهد.



















