محررو لقطة
www.lagtaai.com
5 يوليو 2026
عاد الدور السعودي في السودان إلى واجهة النقاش السياسي بعد تقارير تحدثت عن دعم مالي ودبلوماسي تقدمه الرياض لقائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في سياق أوسع يتصل بمستقبل المؤسسة العسكرية السودانية، وموقع الحركة الإسلامية داخلها، وحسابات أمن البحر الأحمر.
السؤال المطروح ليس بسيطاً: هل تدعم السعودية البرهان فقط بوصفه رأس المؤسسة العسكرية القائمة، أم أن هذا الدعم يرتبط أيضاً برغبة إقليمية في تقليص نفوذ الإسلاميين داخل الجيش والدولة؟
الإجابة المهنية تقتضي التمييز بين ما هو مؤكد، وما هو مرجح، وما لا يزال في دائرة التحليل.
ما المؤكد حتى الآن؟
المؤكد أن السعودية ظلت لاعباً رئيسياً في الملف السوداني منذ اندلاع الحرب، عبر مسارات دبلوماسية وإنسانية وسياسية، أبرزها استضافة منبر جدة، والمشاركة في جهود إقليمية ودولية للضغط باتجاه وقف إطلاق النار وتسوية سياسية.
كما أن الرياض، بحكم موقعها على البحر الأحمر وارتباطها التاريخي بالسودان، تنظر إلى انهيار الدولة السودانية باعتباره تهديداً مباشراً لأمنها الإقليمي، وليس مجرد أزمة خارجية بعيدة.
وتشير تقارير دولية إلى أن السعودية ومصر دعمتا الجيش السوداني سياسياً، رغم تحفظهما التقليدي على صعود جماعات الإسلام السياسي، ورغبتهما في منع عودة الإخوان أو شبكاتهم إلى أي ترتيب سياسي مستقبلي في السودان.
ماذا عن الدعم المالي؟
تحدثت تقارير صحفية حديثة، بينها تقرير نشرته منصة Africa Intelligence، عن دعم مالي ودبلوماسي سعودي للبرهان، وربطت ذلك برغبة الرياض في أن يعمل قائد الجيش على تقليص قبضة الشبكات الإسلامية داخل القوات المسلحة السودانية.
لكن من المهم هنا الإشارة إلى أن هذه المعلومات منشورة في تقارير صحفية وتحليلات استخبارية الطابع، وليست إعلاناً رسمياً سعودياً. أي أن الرياض لم تصدر بياناً تقول فيه إنها تقدم تمويلاً للبرهان بهدف مواجهة الحركة الإسلامية داخل الجيش.
لذلك، فإن الصياغة الأدق هي: هناك تقارير تتحدث عن دعم سعودي للبرهان، وتربط هذا الدعم برغبة في تقليص نفوذ الإسلاميين، لكن ذلك لم يتحول إلى موقف سعودي رسمي معلن.
لماذا يقلق نفوذ الحركة الإسلامية الرياض؟
تنظر السعودية، مثل عدد من العواصم الخليجية والعربية، بحذر إلى عودة تنظيمات الإسلام السياسي إلى الحكم أو إلى مفاصل الجيوش والأجهزة الأمنية.
في الحالة السودانية تحديداً، يرتبط القلق بعدة أسباب:
أولاً، تجربة نظام الإنقاذ منذ عام 1989 تركت ذاكرة إقليمية ثقيلة، بسبب علاقاته السابقة مع تيارات إسلامية عابرة للحدود، ودوره في إدخال السودان في عزلة دولية طويلة.
ثانياً، الحرب الحالية أظهرت أن عناصر وشبكات مرتبطة بالنظام السابق تحاول إعادة التموضع عبر دعم الجيش، والمشاركة في التعبئة السياسية والعسكرية، بما يفتح الباب أمام عودة الإسلاميين من بوابة الحرب لا من بوابة الانتخابات.
ثالثاً، أي نفوذ إسلامي متزايد داخل السلطة في بورتسودان قد يعقّد علاقة السودان بالمحور الخليجي، خاصة إذا ترافق مع تقارب أكبر مع إيران أو قوى إقليمية تنافس الرياض.
وقد أشارت تقارير دولية إلى أن الإسلاميين في السودان يسعون لاستثمار الحرب كمسار للعودة السياسية عبر دعم الجيش، رغم نفي المؤسسة العسكرية وجود ارتباط حزبي مباشر.
هل يستطيع البرهان فعلاً الحد من نفوذ الإسلاميين؟
هنا تكمن المعضلة الأساسية.
البرهان، من زاوية الرياض وبعض العواصم الإقليمية، قد يُنظر إليه باعتباره رجل المؤسسة العسكرية القادر على الحفاظ على تماسك الدولة ومنع انهيارها الكامل. لكن في الوقت نفسه، فإن الحرب جعلت الجيش أكثر اعتماداً على حلفاء ميدانيين وسياسيين، بعضهم قريب من شبكات الإسلاميين أو محسوب على النظام السابق.
هذا يعني أن قدرة البرهان على تقليص نفوذ الحركة الإسلامية ليست مطلقة. فهو يحتاج إلى دعم داخلي داخل المؤسسة العسكرية، وإلى بدائل سياسية ومدنية، وإلى غطاء إقليمي ودولي يسمح له بإعادة ترتيب مراكز القوة دون أن يفتح جبهة داخلية جديدة.
لذلك، قد يكون الدعم السعودي، إن صحّ، محاولة لمنح البرهان مساحة مناورة أوسع، لا مجرد تمويل مباشر لمعركة سياسية داخل الجيش.
السعودية بين دعم الجيش ورفض الإسلاميين
السياسة السعودية في السودان تبدو قائمة على معادلة دقيقة: دعم بقاء الدولة ومؤسساتها، وعدم السماح بانهيار الجيش، وفي الوقت نفسه رفض عودة الإسلاميين إلى مركز القرار.
هذه المعادلة ليست سهلة. فالجيش السوداني اليوم ليس كتلة واحدة صافية، بل مؤسسة تعرضت لضغوط الحرب والتحالفات والاختراقات السياسية والتعبئة الأيديولوجية.
ولهذا تبدو الرياض مضطرة إلى التعامل مع البرهان باعتباره العنوان الرسمي للدولة والجيش، مع محاولة التأثير على اتجاهه السياسي بحيث لا يتحول انتصار الجيش، إن تحقق، إلى عودة كاملة للنظام السابق.
أين تقف المبادرات الدولية؟
في سبتمبر 2025، طرحت الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر خريطة طريق لإنهاء الحرب في السودان، تضمنت هدنة إنسانية ثم وقفاً دائماً لإطلاق النار ومساراً انتقالياً نحو حكومة مدنية. اللافت أن البيان الرباعي شدد أيضاً على رفض أي دور لجماعة الإخوان المسلمين أو الجماعات الإسلامية المرتبطة بها في مستقبل السودان السياسي.
هذا الموقف يمنح مؤشراً مهماً: السعودية لا تتعامل مع ملف الإسلاميين كمسألة هامشية، بل كجزء من تصورها لمستقبل الاستقرار في السودان.
ماذا تريد الرياض من السودان؟
يمكن تلخيص أولويات السعودية في السودان في أربعة ملفات رئيسية:
حماية أمن البحر الأحمر ومنع تحوله إلى ساحة صراع مفتوح.
منع تفكك السودان أو تحوله إلى دولة فاشلة على الضفة الغربية للبحر الأحمر.
إبعاد النفوذ الإيراني أو أي شبكات أيديولوجية معادية للمصالح الخليجية.
دعم مسار سياسي لا يعيد إنتاج نظام الإنقاذ ولا يسمح بسيطرة الدعم السريع أو أي قوة موازية على الدولة.
بهذا المعنى، فإن أي دعم سعودي للبرهان لا يمكن فهمه فقط بوصفه دعماً لشخص، بل كجزء من محاولة إدارة التوازن داخل السودان ومنع انزلاقه نحو سيناريوهات أكثر خطورة.
هل الدعم السعودي مضمون النتائج؟
ليس بالضرورة.
فالتجربة السودانية تثبت أن التدخلات الإقليمية كثيراً ما تصطدم بتعقيدات الداخل. فالقوى المسلحة، وشبكات الاقتصاد الحربي، والولاءات القديمة، والقبائل، والحركات المسلحة، والإسلاميون، جميعها عناصر تجعل أي محاولة لإعادة هندسة المشهد شديدة الصعوبة.
كما أن دعم البرهان للحد من نفوذ الإسلاميين قد يؤدي إلى نتائج عكسية إذا لم يُربط بمشروع سياسي واضح، لأن الإسلاميين قد يقدمون أنفسهم داخل معسكر الجيش كقوة تعبئة وحماية في مواجهة الخارج.
الخلاصة
نعم، هناك تقارير جدية تتحدث عن دعم مالي ودبلوماسي سعودي للبرهان، وتربط هذا الدعم برغبة الرياض في تقليص نفوذ الحركة الإسلامية داخل الجيش والدولة. لكن لا يوجد حتى الآن إعلان رسمي سعودي يؤكد أن هذا هو الهدف المباشر للدعم.
الأرجح أن السعودية تتحرك وفق حسابات أوسع: دعم تماسك الدولة السودانية، منع تمدد الفوضى إلى البحر الأحمر، الحد من نفوذ الإسلاميين، وإبقاء السودان ضمن توازن إقليمي لا يسمح بعودة النظام السابق ولا بانهيار المؤسسة العسكرية.
لقطة …
السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بما إذا كانت السعودية تدعم البرهان، بل بما إذا كان البرهان قادراً أصلاً على فك الارتباط بين الجيش وشبكات الإسلاميين دون أن يفقد تماسك المعسكر الذي يستند إليه في الحرب. هنا تكمن معادلة الرياض الصعبة: دعم الدولة دون تمكين الإسلاميين، ودعم الجيش دون إعادة إنتاج نظام الإنقاذ.
عين ترصد الحدث والعقل يقرأ المشهد.


















