بقلم: مصطفى محمود
www.lagtaai.com
3 يوليو 2026
مقدمة: حرب تجاوزت حدود الصراع الداخلي
بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب في السودان، لم يعد السؤال الأكثر إلحاحاً هو من يحقق تقدماً ميدانياً أو من يسيطر على هذه المدينة أو تلك، بل لماذا تستمر الحرب أصلاً رغم حجم الخسائر البشرية والاقتصادية والإنسانية الهائل؟
فمع مرور الوقت، تحولت الحرب من مواجهة داخلية على السلطة والنفوذ إلى أزمة معقدة تتداخل فيها المصالح المحلية والإقليمية والدولية، وتتشابك فيها الحسابات العسكرية مع الاعتبارات الاقتصادية والسياسية والأمنية. ولهذا تبدو نهاية الحرب أكثر تعقيداً من مجرد انتصار عسكري لطرف على آخر.
أولاً: عندما يتحول الصراع إلى ملف إقليمي ودولي
منذ الأشهر الأولى للحرب، لم يعد السودان ساحة مغلقة على الفاعلين المحليين فقط. فقد دخلت أطراف إقليمية ودولية متعددة إلى المشهد بدرجات متفاوتة، سواء عبر الدعم السياسي أو العسكري أو الاقتصادي أو عبر محاولة التأثير في موازين القوى.
وأدى هذا التشابك إلى تحويل السودان إلى جزء من معادلات أكبر تتعلق بأمن البحر الأحمر، والتنافس الإقليمي، وحسابات النفوذ في القرن الأفريقي، ومستقبل الموارد الاستراتيجية في المنطقة.
في مثل هذه الحالات، لا يصبح قرار إنهاء الحرب قراراً محلياً خالصاً، بل يرتبط أيضاً بحسابات ومصالح تتجاوز حدود السودان، وهو ما يضيف طبقة جديدة من التعقيد أمام أي تسوية محتملة.
ثانياً: غياب الحسم العسكري واستمرار الاستنزاف
من أبرز أسباب استمرار الحرب أن أياً من الأطراف المتحاربة لم يتمكن حتى الآن من تحقيق حسم عسكري كامل.
فكل طرف يمتلك من القدرات ما يسمح له بالاستمرار في القتال، لكنه لا يمتلك ما يكفي لإنهاء الصراع نهائياً لصالحه. ونتيجة لذلك نشأت حالة يمكن وصفها بـ”توازن الضعف”، حيث يعجز الجميع عن الانتصار الكامل كما يعجز الجميع عن الهزيمة الكاملة.
هذا الواقع يدفع الأطراف إلى مواصلة الرهان على الزمن والاستنزاف بدلاً من تقديم تنازلات سياسية حقيقية، وهو ما يؤدي إلى إطالة أمد الحرب عاماً بعد عام.
ثالثاً: اقتصاد الحرب الذي يغذي نفسه
الحروب الطويلة لا تعيش على السلاح وحده، بل تحتاج إلى مصادر تمويل مستمرة.
وفي السودان برزت خلال السنوات الأخيرة ظاهرة اقتصاد الحرب، حيث أصبحت بعض الموارد الاقتصادية، وعلى رأسها الذهب والتجارة غير الرسمية وشبكات التهريب، جزءاً من منظومة تمويل الصراع.
ومع وجود مصادر دخل مستقلة نسبياً عن الدولة، تراجعت فعالية الضغوط الاقتصادية التقليدية التي كانت تستخدم لدفع الأطراف نحو التسوية، لأن استمرار القتال بات مرتبطاً بمصالح اقتصادية تشكلت خلال سنوات الحرب.
وفي كثير من الأحيان يصبح السلام تهديداً لمصالح المستفيدين من اقتصاد الحرب أكثر من كونه فرصة لهم.
رابعاً: تفكك المشهد الأمني وتعدد مراكز القوة
لم تعد الحرب مقتصرة على طرفين واضحين كما كانت في بداياتها.
فمع استمرار القتال ظهرت مجموعات مسلحة وقوى محلية متعددة، بعضها يمتلك نفوذاً ميدانياً واقتصادياً خاصاً، وبعضها يرتبط بحسابات مناطقية أو قبلية أو أمنية مختلفة.
هذا الواقع يجعل أي اتفاق سلام أكثر تعقيداً، لأن توقيع اتفاق بين الأطراف الرئيسية لا يضمن بالضرورة توقف جميع الفاعلين المسلحين عن القتال.
وكلما زاد عدد حاملي السلاح خارج المؤسسات الرسمية، أصبحت عملية إعادة بناء الدولة أكثر صعوبة وتعقيداً.
خامساً: فشل المقاربات السياسية التقليدية
شهدت الأزمة السودانية عشرات المبادرات والاجتماعات والمؤتمرات خلال السنوات الماضية، إلا أن معظمها لم ينجح في إحداث اختراق حقيقي.
ويرى كثير من المراقبين أن جزءاً من المشكلة يكمن في تركيز الجهود الدولية على الترتيبات العسكرية والأمنية، مع إهمال الأسئلة السياسية العميقة المتعلقة بشكل الدولة ومستقبل الحكم وتقاسم السلطة والثروة.
كما أن الانقسامات داخل القوى السياسية السودانية نفسها أضعفت فرص بناء مشروع وطني جامع قادر على تقديم بديل سياسي مقنع ينهي حالة الاستقطاب والحرب.
سادساً: حرب الروايات وتآكل الوعي العام
إلى جانب المعارك العسكرية، يخوض السودانيون معركة أخرى لا تقل خطورة، وهي معركة الروايات والمعلومات.
فكل طرف يسعى إلى تقديم روايته الخاصة للأحداث، وتبرير مواقفه، وحشد المؤيدين حوله. ومع تزايد تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح من الصعب أحياناً التمييز بين الوقائع والدعاية السياسية.
هذا التشوش المعلوماتي يضعف قدرة المجتمع على بناء موقف وطني موحد تجاه الحرب، ويجعل قطاعات واسعة من المواطنين أسرى للاستقطاب بدلاً من الضغط الجماعي من أجل السلام.
إلى أين يتجه السودان؟
في منتصف عام 2026 تبدو الحرب السودانية واحدة من أكثر الصراعات تعقيداً في المنطقة. فهي حرب تتداخل فيها المصالح العسكرية مع الاقتصاد والسياسة والجغرافيا الإقليمية، وتستفيد من غياب الحسم العسكري ومن ضعف المؤسسات الوطنية ومن تشابك الأجندات الخارجية.
ولهذا فإن إنهاء الحرب لن يتحقق عبر الانتصارات الميدانية وحدها، بل يتطلب معالجة الأسباب التي سمحت باستمرارها منذ البداية، وفتح مسار سياسي حقيقي يعيد القرار إلى السودانيين أنفسهم.
ويبقى السؤال الأهم: هل تنجح القوى السودانية والإقليمية والدولية في الانتقال من إدارة الحرب إلى صناعة السلام، أم أن البلاد ستظل تدور داخل دائرة الاستنزاف المفتوحة لسنوات أخرى؟




















