بقلم مصطفى محمود
12 يوليو 2026 – بتوقيت السودان
في الوقت الذي تتسارع فيه وتيرة التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، تتواصل في الخلفية جهود دبلوماسية مكثفة تقودها أطراف إقليمية ودولية بهدف منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع. إلا أن هذه الجهود، رغم استمرارها، لم تنجح حتى الآن في تحقيق اختراق سياسي قادر على وقف دوامة التصعيد أو إعادة بناء الثقة بين الطرفين.
فالمشهد الحالي يكشف عن مفارقة واضحة؛ إذ تتواصل قنوات التواصل والوساطة في الوقت الذي تستمر فيه التحركات العسكرية والتهديدات المتبادلة، ما يعكس حجم التعقيد الذي يحيط بالأزمة.
وساطة مستمرة بلا نتائج حاسمة
منذ اندلاع الجولة الأخيرة من التوترات، برزت سلطنة عُمان كأحد أهم الوسطاء بين واشنطن وطهران، مستفيدة من سجل طويل من العلاقات المتوازنة مع الجانبين. كما انخرطت أطراف إقليمية أخرى في محاولات تهدف إلى تخفيف حدة الأزمة والحفاظ على الحد الأدنى من الحوار.
غير أن استمرار الاجتماعات والرسائل المتبادلة لم يترجم حتى الآن إلى تفاهمات واضحة أو اتفاقات يمكن البناء عليها. فالوساطة نجحت في إبقاء خطوط الاتصال مفتوحة، لكنها لم تنجح في معالجة جذور الخلاف.
أزمة ثقة تتجاوز الملفات التقليدية
تكمن المشكلة الأساسية في أن الأزمة الحالية لم تعد مرتبطة بملف واحد يمكن التفاوض حوله بسهولة.
فالخلافات تشمل ملفات متعددة، من أمن الملاحة في مضيق هرمز، إلى العقوبات الاقتصادية، مروراً بالوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، ووصولاً إلى البرنامج الصاروخي الإيراني والنفوذ الإقليمي لطهران.
هذا التشابك يجعل أي اتفاق جزئي معرضاً للانهيار سريعاً إذا لم تتم معالجة الملفات الأخرى بصورة متوازية.
كما أن سنوات طويلة من التوتر والعقوبات والاتهامات المتبادلة خلقت فجوة عميقة من انعدام الثقة بين الطرفين، وهي فجوة يصعب تجاوزها عبر جولات تفاوض قصيرة أو تفاهمات مؤقتة.
حسابات داخلية تعقد المشهد
لا تقتصر الأزمة على الاعتبارات الخارجية فقط، بل تتأثر أيضاً بالحسابات السياسية الداخلية لدى الطرفين.
فالقيادة الأمريكية تواجه ضغوطاً من مؤسسات سياسية وأمنية تدعو إلى موقف أكثر تشدداً تجاه إيران، خاصة فيما يتعلق بأمن الملاحة وحماية المصالح الأمريكية في المنطقة.
وفي المقابل، تواجه القيادة الإيرانية ضغوطاً داخلية تدفعها إلى عدم تقديم تنازلات يمكن أن تُفسر على أنها استجابة للضغوط العسكرية أو الاقتصادية.
ولهذا تبدو مساحة المناورة السياسية محدودة لدى الطرفين، حتى في ظل إدراكهما للمخاطر التي قد تترتب على استمرار التصعيد.
هرمز.. العقدة الأكثر حساسية
يبقى مضيق هرمز في قلب الأزمة الحالية.
فالمضيق لا يمثل مجرد ممر مائي استراتيجي، بل يعد أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية.
ولهذا تنظر الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى حرية الملاحة باعتبارها خطاً أحمر، بينما تعتبر إيران أن أمن المضيق مرتبط مباشرة بأمنها القومي وموقعها الإقليمي.
هذا التباين يجعل أي حادث أمني في المنطقة قادراً على تقويض جهود الوساطة وإعادة الأطراف إلى مربع التصعيد.
هل يريد الطرفان الحرب؟
رغم حدة الخطاب السياسي والعسكري، فإن معظم التقديرات الاستراتيجية تشير إلى أن أياً من الطرفين لا يسعى إلى حرب شاملة في الوقت الراهن.
فالولايات المتحدة تدرك أن أي مواجهة واسعة في الخليج قد تؤدي إلى اضطرابات اقتصادية عالمية كبيرة، وترفع أسعار الطاقة بشكل يصعب احتواؤه.
أما إيران فتدرك أن مواجهة مباشرة ومفتوحة مع واشنطن قد تفرض عليها أثماناً سياسية واقتصادية وعسكرية باهظة.
لكن المشكلة أن غياب الرغبة في الحرب لا يعني بالضرورة القدرة على منعها، خصوصاً في ظل ارتفاع مستوى التوتر واحتمال وقوع أخطاء في الحسابات أو حوادث ميدانية غير متوقعة.
ما الذي يمكن أن يغير المعادلة؟
يرى مراقبون أن فرص نجاح الوساطة ستظل محدودة ما لم تتوفر ثلاثة عناصر رئيسية:
- وقف مؤقت للتصعيد العسكري من الجانبين.
- تفاهمات أولية حول أمن الملاحة في مضيق هرمز.
- وجود ضمانات دولية تساعد على بناء الثقة بين الطرفين.
ومن دون هذه العناصر، ستظل الوساطات تدور في إطار إدارة الأزمة بدلاً من حلها.
خاتمة
تكشف الجهود الدبلوماسية الجارية أن المنطقة لا تزال تملك نافذة للحوار، لكنها نافذة ضيقة ومحاطة بعوامل كثيرة قد تؤدي إلى إغلاقها في أي لحظة.
فالوساطة نجحت حتى الآن في منع الانهيار الكامل لقنوات التواصل، لكنها لم تنجح في إنتاج تسوية حقيقية أو معالجة الأسباب العميقة للأزمة.
ويبقى التحدي الأكبر أمام الوسطاء هو الانتقال من مرحلة احتواء التصعيد إلى مرحلة بناء تفاهمات قابلة للاستمرار، في منطقة باتت تدرك أن كلفة الحرب ستكون أكبر بكثير من كلفة التفاوض.
لقطة …
عين ترصد الحدث والعقل يقرأ المشهد




















