بين القبول المشروط والتحفظات السيادية
تقرير خاص | محررو لقطة
13 يوليو 2026 | بتوقيت السودان
أثارت المبادرة الأمريكية الأخيرة لوقف الحرب في السودان اهتماماً واسعاً داخل الأوساط السياسية والدبلوماسية، خاصة بعد تضارب التصريحات حول ما إذا كانت الحكومة السودانية قد قبلت المبادرة أم رفضتها. وبينما تحدثت بعض التقارير عن رفض سوداني للمقترح، أظهرت وثائق ومعلومات لاحقة أن الصورة أكثر تعقيداً من مجرد “قبول” أو “رفض”.
ما هي المبادرة الأمريكية؟
تقوم المبادرة الأمريكية على مجموعة من الترتيبات المرحلية الهادفة إلى وقف الحرب وتهيئة الطريق نحو عملية سياسية جديدة، وتشمل:
- هدنة إنسانية لمدة 90 يوماً.
- تسهيل وصول المساعدات الإنسانية.
- التفاوض على وقف دائم لإطلاق النار.
- إطلاق عملية سياسية تقود إلى حكم مدني وانتخابات مستقبلية.
- ترتيبات لإعادة بناء المؤسسات الوطنية.
- إنشاء آلية دولية لمراقبة التنفيذ.
- الشروع في ترتيبات تتعلق بإعادة هيكلة القطاع الأمني والعسكري.
هل رفض السودان المبادرة؟
الإجابة المختصرة هي: لا.
فالوثائق التي اطلعت عليها وكالة رويترز وأكدها مسؤولون سودانيون أوضحت أن الحكومة السودانية وافقت على معظم بنود المبادرة، لكنها قدمت ملاحظات وتعديلات اعتبرتها جوهرية.
وبالتالي فإن توصيف الموقف السوداني باعتباره “رفضاً كاملاً” لا يبدو دقيقاً، كما أن وصفه بـ”القبول الكامل” لا يعكس حقيقة الموقف.
الأدق هو القول إن:
الخرطوم أبدت قبولاً مبدئياً واسعاً للمبادرة، لكنها ربطت تنفيذها بتحقيق شروط محددة تتعلق بالوضع العسكري والسيادي.
نقطة الخلاف الرئيسية
تتمثل العقدة الأساسية في ملف انسحاب قوات الدعم السريع.
فالمقترح الأمريكي تحدث عن انسحابات تدريجية ومحددة الأولوية من بعض المناطق، خصوصاً شمال دارفور وشمال كردفان، في إطار ترتيبات الهدنة.
أما الحكومة السودانية فقد تمسكت بمطلب مختلف وأكثر شمولاً، يتمثل في:
انسحاب قوات الدعم السريع من جميع المدن والمناطق التي سيطرت عليها منذ مايو 2023، وليس من مناطق محددة فقط.
ويُعد هذا الشرط امتداداً لموقف ظل الجيش السوداني يطرحه في معظم جولات التفاوض السابقة.
لماذا تتمسك الخرطوم بهذا الشرط؟
من منظور الحكومة السودانية، فإن أي اتفاق لا يتضمن انسحاباً واسعاً للدعم السريع قد يؤدي إلى:
- تثبيت واقع عسكري جديد على الأرض.
- منح شرعية للأمر الواقع الذي أفرزته الحرب.
- تعقيد عملية استعادة مؤسسات الدولة.
- خلق بؤر نفوذ مسلحة يصعب التعامل معها مستقبلاً.
ولهذا ترى الخرطوم أن وقف الحرب يجب أن يترافق مع معالجة جذور الأزمة الأمنية وليس فقط تجميد القتال مؤقتاً.
ماذا عن بند الحكم المدني؟
تشير الوثائق إلى أن السودان لم يرفض مبدأ العملية السياسية المدنية، لكنه أبدى اهتماماً بأن تكون العملية ذات قيادة سودانية وتحافظ على وحدة الدولة ومؤسساتها الوطنية.
كما شددت الردود السودانية على:
- وحدة السودان وسيادته.
- الحفاظ على مؤسسة عسكرية وطنية واحدة.
- دمج التشكيلات المسلحة ضمن جيش قومي موحد.
- رفض أي ترتيبات قد تُفسر باعتبارها تقسيمًا فعلياً للسلطة أو الأراضي.
كيف تنظر واشنطن إلى الموقف السوداني؟
الولايات المتحدة اعتبرت أن المبادرة تمثل فرصة واقعية لوقف الحرب، وأبدت رغبتها في قبولها “كما هي” دون شروط مسبقة. كما أكدت استمرار اتصالاتها مع الجيش السوداني وقوات الدعم السريع للوصول إلى اتفاق نهائي.
وفي وقت لاحق، أشار مسؤولون أمريكيون إلى وجود مؤشرات إيجابية من جانب القيادة السودانية بشأن المبادرة، وهو ما دفع بعض الدوائر الدبلوماسية للحديث عن إمكانية البناء على نقاط التوافق القائمة بدلاً من التركيز على نقاط الخلاف.
هل اقترب الاتفاق؟
رغم أن المبادرة حققت تقدماً مقارنة بمحاولات سابقة، فإن الطريق لا يزال معقداً.
فالخلاف حول:
- طبيعة الانسحابات العسكرية.
- الضمانات الدولية.
- آليات الرقابة والتنفيذ.
- مستقبل القوات المسلحة والتشكيلات المسلحة الأخرى.
لا يزال يمثل عقبات حقيقية أمام الوصول إلى اتفاق نهائي.
ومع ذلك، فإن أهمية المبادرة الحالية تكمن في أنها المرة الأولى منذ فترة طويلة التي تظهر فيها مساحة واسعة نسبياً من التوافق حول المبادئ العامة، بينما تتركز الخلافات في تفاصيل التنفيذ وآلياته.
ما الذي يعنيه ذلك للسودانيين؟
بعيداً عن الحسابات السياسية والعسكرية، فإن ملايين السودانيين ينظرون إلى المبادرة من زاوية مختلفة تماماً: هل تستطيع أن توقف الحرب؟
فبعد أكثر من ثلاث سنوات من القتال والنزوح والانهيار الاقتصادي، باتت أي فرصة لوقف إطلاق النار تحظى باهتمام شعبي واسع، حتى وإن ظلت الخلافات السياسية قائمة.
ولهذا يرى مراقبون أن نجاح المبادرة لن يقاس فقط بقبول الأطراف لبنودها، بل بقدرتها على وقف النزيف الإنساني وفتح الطريق أمام عملية سياسية تُبقي السودان موحداً وتمنح مواطنيه فرصة للخروج من واحدة من أسوأ الأزمات في تاريخه الحديث.
لقطة …
عين ترصد الحدث والعقل يقرأ المشهد




















